
العلاقة بين قوات الدعم السريع السودانية وإسرائيل تمثل أحد أبرز الجوانب المعقدة للصراع السوداني المستمر، وهي متأثرة بالديناميات الإقليمية والاستراتيجية الإسرائيلية التي تسعى إلى تفكيك الدول العربية وتقويض استقرارها عبر إثارة النعرات القبلية والخلافات الداخلية.
السودان: موقع استراتيجي في الصراع الإقليمي
تنظر إسرائيل إلى السودان كدولة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، لوقوعه على البحر الأحمر، ولكونه حلقة وصل بين العالم العربي ودول الخليج وأفريقيا، كما يرتبط السودان بمصر عبر مياه النيل. في هذا الإطار، تعتبر النخبة الإسرائيلية القوات المسلحة السودانية جناحًا محتملاً لتنظيم الإخوان المسلمين، ما يستدعي من وجهة نظرها منع وصول التمويل والأسلحة إليها.
حميدتي والتجسس الإسرائيلي
كشف تقرير صحيفة “هآرتس” العبرية عن حصول نائب رئيس المجلس السيادي السوداني وقائد الدعم السريع السابق، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، على أجهزة تجسس متطورة عبر برنامج بيغاسوس الإسرائيلي. نُقلت الأجهزة إلى منطقة جبل مرة في دارفور، التي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع، في عملية سرية سريعة أشرف عليها الموساد الإسرائيلي عن بعد.
كما أشارت التقارير إلى وجود مستشارين عسكريين إسرائيليين يحملون جوازات كولومبية، يقدمون خبراتهم مباشرة على أرض المعركة لدعم حميدتي، في خطوة تعكس عمق التعاون الاستخباري بين الطرفين.
زيارات سرية ورسميات إلى إسرائيل
وفقًا لتقارير وسائل الإعلام السودانية والإسرائيلية، زار وفد عسكري سوداني إسرائيل في أكتوبر 2021 برئاسة عبد الرحيم دقلو، شقيق حميدتي، وشملت الزيارة مناقشات حول الدعم الاستخباري، تبادل المعلومات الأمنية، وتوفير معدات المراقبة والتجسس.
تهدف هذه اللقاءات إلى الحصول على شرعية دولية خارج الحكومة المركزية في الخرطوم واستغلال النفوذ الإسرائيلي للحصول على دعم غربي غير معلن.
تحركات حميدتي في أوروبا وأفريقيا
واصل حميدتي نشاطه الدولي لتقوية شبكة الدعم المالي والسياسي:
إيطاليا: اجتماعات مع شخصيات مالية ومؤسسات استثمارية.
ألمانيا: لقاءات جانبية مع مراكز أبحاث وشركات أمنية.
جنوب أفريقيا: اجتماعات مع الرئيس رامافوزا وشركاء محليين لتعزيز الغطاء القانوني لشركاته.
الجزائر وكينيا: زيارات مغلقة لتنسيق العلاقات الاقتصادية والعسكرية عبر وسطاء وشركات علاقات عامة مقرها دبي وبيروت.
تهريب الذهب والمعادن النادرة
كشفت تقارير من Global Witness وصحيفة الغارديان البريطانية عن شبكة تهريب متطورة تديرها قوات الدعم السريع، تشمل شركات وهمية مقرها الإمارات وتركيا:
شركة “الجنيد” لعائلة دقلو.
شركة “Tradive General Trading” في دبي.
تعمل هذه الشركات على تهريب الذهب والمعادن النادرة من مناطق النزاع إلى الإمارات، ثم إعادة تصديرها بشهادات منشأ مزورة، باستخدام مطارات خاصة في تشاد ومراقبة جزئية من الحكومة المركزية.
التوظيف السياسي للارتباطات الدولية
استغلت عائلة دقلو هذه الشبكات لبناء سلطة موازية خارج الدولة السودانية، حيث وفرت العلاقات مع إسرائيل والدعم الإماراتي وسطاء ماليين عالميين وموارد مالية هائلة، بالإضافة إلى أسلحة وتجهيزات لتجنيد المرتزقة.
الهدف الاستراتيجي كان السيطرة على مفاصل الدولة وطرد السكان المحليين واستبدالهم بمرتزقة، بما يضمن استمرار نفوذ قوات الدعم السريع على الأرض.
التطبيع السوداني الإسرائيلي وتأثيره على الحرب
بعد توقيع السودان اتفاق التطبيع مع إسرائيل في أكتوبر 2020 بوساطة إماراتية، أصبح التقارب مع تل أبيب أداة أساسية لحماية مصالح حميدتي ودعم أنشطته الاستخبارية والعسكرية.
تشير التقارير إلى أن طائرة رئيس الموساد زارت الخرطوم في يونيو 2021، حاملة قيادات إسرائيلية التقت بحميدتي وقادة الدعم السريع لتنسيق الخطط العسكرية والاستخبارية.
الحرب السودانية الحالية: دور الدعم الخارجي
في ظل الحرب الأخيرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ظهرت أصوات إسرائيلية تنادي بالتدخل المباشر، مدعية أن الجيش يمثل تهديدًا لإيران و”حماس أفريقيا”.
تسعى القيادة السودانية حالياً إلى إعادة ضبط علاقاتها الدولية لضمان حماية البلاد ووقف التهديدات الخارجية التي تديرها دول ومنظمات عدة عبر الشبكات الدولية لحميدتي.
وتشير جميع المعطيات إلى أن الحرب في السودان ليست نزاعًا داخليًا فحسب، بل صراع إقليمي ودولي معقد، حيث تستخدم إسرائيل، عبر الدعم السريع، الأدوات الاستخبارية واللوجستية والمالية لتوجيه الصراع بما يخدم مصالحها في المنطقة.
ويظهر من التحليلات أن أي حل مستقبلي للسودان يحتاج إلى إعادة تأطير العلاقات الخارجية وإيقاف النفوذ المباشر وغير المباشر لهذه الشبكات الدولية لضمان استقرار السودان وأمنه القومي.
إعداد وتحقيق: إبراهيم مهدي




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *