
في تحول استراتيجي غير مسبوق، كشفت الولايات المتحدة في وثيقة الأمن القومي الجديدة أنها تعيد النظر جذرياً في أولوياتها العالمية، موجهة رسائل حادة نحو أوروبا، ومؤكدة أن الشرق الأوسط لم يعد يمثل محور الاهتمام كما كان لعقود طويلة. الوثيقة، التي صدرت عن إدارة الرئيس دونالد ترامب، شكلت صدمة واسعة في العواصم الأوروبية، وأثارت تساؤلات حول مستقبل تماسك التحالفات الدولية التي حكمت النظام العالمي منذ الحرب العالمية الثانية.
واشنطن تنتقد أوروبا: “أزمة هوية” وتهديد بـ”المحو الحضاري”
تصف الوثيقة القارة الأوروبية بأنها تعاني من ضعف بنيوي وسياسي، وتتهم حكوماتها بأنها فقدت ثقتها بنفسها، وتخلّت عن سيادتها لصالح مؤسسات الاتحاد الأوروبي. وتذهب الوثيقة أبعد من ذلك حين تحذّر من “محو حضاري” محتمل خلال عقدين نتيجة الهجرة، معتبرة أن بعض الدول الأوروبية قد تصبح ذات أغلبية “غير أوروبية”.
هذا الخطاب يُعدّ الأشد لهجة تجاه أوروبا في تاريخ الوثائق الاستراتيجية الأميركية، ويشير بوضوح إلى أن إدارة ترامب لم تعد تنظر إلى أوروبا كـ”حليف مضمون”، بل ككيان يعاني أزمة داخلية تهدد قدرته على الشراكة.
خبراء أوروبا: انهيار العلاقة التقليدية مع أميركا
- استقبلت المؤسسات البحثية الأوروبية الوثيقة بقلق بالغ.
- فـ كاتيا بيجو من تشاتام هاوس وصفتها بأنها إعلان صريح بأن “العلاقة عبر الأطلسي قد ماتت”.
- أما المؤرخ البريطاني تيموثي غارتون آش فقال إن الوثيقة هي “أمّ دعوات الاستيقاظ لأوروبا”، مؤكداً أن إدارة ترامب لم تعد ترى أوروبا شريكاً متساوياً، بل مجالاً يجب إعادة تشكيله وفق رؤية واشنطن.
ويشير محللون إلى أن هذه الرؤية تتناغم مع الخطاب المتشدد لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي سبق وأن وجه انتقادات قوية للاتحاد الأوروبي، ووصفه بأنه “معاد للديمقراطية”.
موقف أميركي أقرب لروسيا… وصمت عن تهديدات بوتين
أحد أكثر العناصر إثارة للجدل في الوثيقة هو غياب أي ذكر لروسيا كتهديد مباشر، على عكس ما ظلّ ثابتاً لعقود في السياسات الأميركية.
بل إن الوثيقة تتعامل مع واشنطن كـ”وسيط” بين أوروبا وروسيا، وليس كحليف لأوروبا ضد موسكو.
ويرى خبراء أن هذا الموقف يعكس ميلاً أميركياً لإعادة ترتيب النظام العالمي بطريقة تمنح روسيا مساحة نفوذ أكبر في أوروبا الشرقية.
دعم أميركي غير مباشر لليمين الأوروبي
تحث الوثيقة على “تعزيز القوى المناهضة للمسار الحالي لأوروبا داخل الدول الأوروبية”، وهو ما فسره محللون بأنه انحياز غير مسبوق للأحزاب اليمينية المتطرفة، خصوصاً تلك التي تعارض الهجرة والاتحاد الأوروبي.
ووفق خبراء الحوكمة الديمقراطية، فإن هذه الرؤية تشكل تدخلاً واضحاً في سياسات أوروبا الداخلية، وقد تعمّق الانقسامات داخل دولها.
الشرق الأوسط يتراجع على خريطة الأولويات الأميركية
في جزء آخر من وثيقة الأمن القومي، تعلن واشنطن بشكل واضح أن الشرق الأوسط لم يعد أولوية استراتيجية.
وتؤكد أن الأسباب التقليدية التي كانت تدفع أميركا للتمركز في المنطقة—النفط والصراعات الكبرى—”لم تعد قائمة”.
لماذا تتراجع أهمية الشرق الأوسط؟
وفق الوثيقة:
- الولايات المتحدة باتت مكتفية ذاتياً من الطاقة.
- المنطقة تشهد “انخفاضاً” في مستوى العنف مقارنة بالعقود الماضية.
- وقف إطلاق النار في غزة والهجوم الأميركي على إيران أسهما في “تراجع الخطر الإيراني”.
لكن هذه المقاربة تتجاهل واقع الأزمات التي لا تزال تهز المنطقة، من الحرب في غزة إلى التوترات الإقليمية المتصاعدة.
قراءة خاطئة للواقع؟
يرى محللون أن هذه النظرة “التفاؤلية” حول الشرق الأوسط لا تعكس الوضع الحقيقي. فالمنطقة لا تزال تشهد:
- توترات أمنية مزمنة
- صراعات سياسية متعددة
- تهديدات إرهابية
- تنافساً إقليمياً حاداً
ورغم رغبة واشنطن في تقليل ارتباطها بالمنطقة، فإن مصالحها الأمنية والاقتصادية تجعل من الصعب الانفصال الكامل عن الشرق الأوسط.
نظام عالمي جديد… والتحالفات تنتقل إلى مرحلة خطيرة
تكشف الوثيقة أن واشنطن تسعى إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الدولية وفق نموذج ثلاثي الأقطاب:
الولايات المتحدة – الصين – روسيا، مع تقليص دور أوروبا والشرق الأوسط.
هذه الرؤية قد تُحدث:
- شرخاً واسعاً بين الولايات المتحدة وأوروبا
- فراغاً استراتيجياً في الشرق الأوسط
- توسّعاً لنفوذ الصين وروسيا
- تحولاً تاريخياً في موقع أميركا كقوة الضامن للاستقرار العالمي
وتشير الوثيقة إلى أن واشنطن تريد “أوروبا أكثر قومية”، و”شرق أوسط أقل مركزية”، و”عالم متعدد الأقطاب يُدار من واشنطن”.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *