
تشهد الساحة السورية تطورات جديدة بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، إذ بدأت ملامح مرحلة ما بعد الحرب تتشكل بوضوح، ولا سيما مع عودة ما يزيد عن ثلاثة ملايين سوري إلى مدنهم وقراهم. غير أنّ هذا التفاؤل يواجه تحديات خطيرة مع تراجع دعم المانحين الدوليين، الأمر الذي قد يهدد استدامة عودة اللاجئين ويثني آخرين عن اتخاذ خطوة العودة.
انحسار في التمويل الإنساني رغم الحاجة المتزايدة
وفقًا لتقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد نحو 1.2 مليون لاجئ من خارج البلاد، إضافة إلى 1.9 مليون نازح داخليًا، بعد انتهاء الحرب التي استمرت لأكثر من 13 عامًا. وعلى الرغم من هذا التقدم، لا يزال أكثر من خمسة ملايين لاجئ يعيشون خارج الحدود السورية، معظمهم في الأردن ولبنان وتركيا، بحسب رويترز.
وفي الوقت ذاته، تؤكد الأمم المتحدة أن خطة الاستجابة الإنسانية لسوريا لعام 2025، والتي تبلغ تكلفتها 3.19 مليار دولار، لم يُموَّل منها سوى 29% فقط. ويأتي هذا التراجع في ظل خفض كبير في مساعدات الدول المانحة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تقلص دعمها الخارجي ضمن توجهات جديدة لترشيد الإنفاق.
تحذيرات دولية من انعكاسات خطيرة على العائدين
أكد فيليبو غراندي، المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن السوريين مستعدون لإعادة الإعمار والانخراط في مرحلة التعافي، لكن العالم – بحسب تعبيره – يبدو غير مستعد لدعمهم بالقدر الكافي. وقال غراندي في اجتماع بجنيف إن ضعف التمويل قد يدفع بعض العائدين إلى التراجع والعودة إلى البلدان المضيفة، في ظل صعوبة تأمين الخدمات الأساسية في مناطقهم.
تحديات خدمية وصحية تهدد استقرار العودة
منظمة الصحة العالمية أشارت أيضًا إلى فجوة خطيرة بين تقلص المساعدات وقدرة الأنظمة المحلية على استلام زمام الأمور. فبحسب تقاريرها، تعمل 58% فقط من المستشفيات بكامل طاقتها، بينما يعاني العديد منها من انقطاع الكهرباء وخلل في سلسلة التبريد الخاصة باللقاحات.
الممثلة بالإنابة لمنظمة الصحة العالمية في سوريا، كريستينا بيثكي، أوضحت أن العائدين يعودون إلى مناطق تعاني من نقص كبير في الأدوية والأطقم الطبية، إضافة إلى بنية تحتية منهكة، وهو ما يزيد الضغط على الخدمات المتداعية أصلاً.
خطر الذخائر غير المنفجرة: تهديد قائم بعد الحرب
في سياق متصل، حذرت منظمة “هيومانيتي آند إنكلوجن” الإنسانية من بطء عمليات إزالة الذخائر غير المنفجرة في المدن والبلدات السورية، موضحة أن التمويل المخصص لهذا القطاع لا يتجاوز 13% فقط. وأشارت المنظمة إلى وقوع أكثر من 1500 حالة وفاة وإصابة العام الماضي بسبب تلك الذخائر، مما يجعلها أحد أبرز العوائق أمام إعادة الإعمار وعودة الاستقرار.
غياب الأولوية في التمويل بعد انتهاء الصراع
ويرى خبراء الإغاثة أن سوريا أصبحت من أوائل الأزمات التي تضررت من خفض التمويل، إذ لم تعد تُصنَّف كحالة طوارئ تستوجب الدعم العاجل. ومع ذلك، فإن واقع البلاد ما زال هشًا، ويحتاج إلى تدخلات إنسانية وتنموية مكثفة لضمان عودة آمنة وكريمة للمواطنين.
توقعات متباينة بشأن المرحلة الجديدة تحت قيادة أحمد الشرع
يشير مراقبون إلى أن بعض السوريين ينتظرون رؤية خطوات واضحة من الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وخاصة فيما يتعلق بملفات الإصلاح والمساءلة، بما فيها التحقيقات حول عمليات قتل استهدفت الأقلية العلوية في مارس الماضي. هذه العوامل السياسية قد تلعب دورًا أساسيًا في قرار الكثيرين بشأن العودة.
مستقبل العودة مرهون بالدعم الدولي
بالرغم من انتهاء الحرب وبدء مرحلة إعادة الإعمار، إلا أن تراجع دعم المانحين يضع ملايين السوريين أمام تحديات كبيرة. فاستدامة العودة تتطلب تمويلًا كافيًا لضمان الخدمات الصحية والتعليمية وإزالة الذخائر وتطوير البنية التحتية. وفي حال استمرار هذا الانخفاض، قد يجد كثير من السوريين أنفسهم مجبرين على البقاء في دول اللجوء أو حتى العودة إليها.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *