الرئيسية/التحليلات/الغارديان تكشف: شركات بريطانية تجند مرتزقة كولومبيين للقتال في السودان
التحليلات

الغارديان تكشف: شركات بريطانية تجند مرتزقة كولومبيين للقتال في السودان

image
📸مشهد مصور يوثق التطورات الإخبارية المتعلقة بقسم التحليلات
اليوم ميديا / وكالات

كشف تحقيق حصري أجرته صحيفة الغارديان البريطانية، أعدّه الصحفي مارك تاونسند، عن تورط شركات مسجلة في المملكة في تجنيد مئات المرتزقة الكولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع السودانية، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية واسعة النطاق.

يربط التحقيق بين شقة صغيرة في شمال لندن وشبكة دولية لتجنيد المرتزقة، يديرها أشخاص خضعوا لعقوبات أمريكية بسبب دورهم في تأجيج النزاع بالسودان. ويطرح هذا السيناريو تساؤلات كبيرة حول فعالية الرقابة على تأسيس الشركات في المملكة المتحدة، وكيف يمكن للشبكات الدولية استغلال الثغرات القانونية لدعم نزاعات مسلحة خارج البلاد.

شقة ضيقة في شمال لندن.. بوابة لمجازر السودان

بالقرب من ملعب توتنهام هوتسبير في لندن، يقع مبنى سكني متواضع، يضم شقة في الطابق الثاني تُعد مركزًا لشبكة عابرة للحدود لتجنيد المرتزقة الكولومبيين. بحسب سجلات الحكومة البريطانية، هذه الشقة مسجلة باسم Zeuz Global، الشركة التي أسسها شخصان كولومبيان خاضعا لعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية لتوظيف المرتزقة للقتال في صفوف قوات الدعم السريع.

الشقق في شمال لندن حيث كانت شركة Zeuz Global مسجلة، المركز السابق لشبكة تجنيد المرتزقة الكولومبيين للقتال في السودان

يشير الخبراء إلى أن استخدام شقة صغيرة كمركز لشبكة دولية يوضح ثغرات قانونية كبيرة في نظام تسجيل الشركات البريطاني، حيث يمكن للمجرمين ممارسة أعمال تجارية دولية بسهولة، بما في ذلك دعم نزاعات مسلحة في الخارج، دون أي رقابة فعالة.

كما تُظهر الصور الميدانية والتحقيقات أن هذه الشقة كانت مركزًا لتنسيق العمليات المالية والتحضير اللوجستي للمرتزقة، وتحديد مواقع المعارك في السودان، ما يسلط الضوء على الدور الحيوي للشركات الأجنبية في تأجيج الصراعات.

المرتزقة الكولومبيون ودورهم في دارفور وكردفان

تم تجنيد المئات من جنود الجيش الكولومبي السابقين للقتال مع قوات الدعم السريع، وهي جماعة شبه عسكرية مسؤولة عن اغتصابات جماعية ومذابح عرقية وقتل منهجي للنساء والأطفال.

شارك هؤلاء المرتزقة بشكل مباشر في استيلاء الجماعات شبه العسكرية على مدينة الفاشر جنوب غرب السودان في أواخر أكتوبر، الأمر الذي أدى إلى موجة قتل تقول تقديرات المحللين إنها أودت بحياة ما لا يقل عن 60 ألف شخص، مع تهجير واسع للسكان وتحويل المدينة إلى منطقة دمار شامل.

مرتزق كولومبي في الفاشر، السودان، ضمن مئات الجنود الكولومبيين السابقين الذين يقاتلون مع قوات الدعم السريع، في دور محوري بالعمليات العسكرية وجرائم الحرب

إلى جانب القتال المباشر، تولى المرتزقة تدريب الأطفال ليصبحوا جنودًا، كما شغلوا دورًا رئيسيًا في تشغيل الطائرات المسيّرة والطائرات الكسيرة، ما عزز قدرة قوات الدعم السريع على السيطرة على مناطق واسعة، بما في ذلك إقليم كردفان المتاخم لدارفور.

كما أظهرت الوثائق أن المرتزقة الكولومبيين لم يقتصر دورهم على القتال، بل شمل تنسيق الهجمات، والإشراف على العمليات العسكرية اليومية، وتدريب القناصة، وتأمين خطوط التموين، ما يجعلهم عنصرًا أساسيًا في تسهيل عمليات الإبادة الجماعية.

تورط شركات بريطانية في شبكة المرتزقة

أظهرت الوثائق أن شركة Zeuz Global بقيت نشطة بعد فرض العقوبات الأمريكية على مؤسسيها، حيث قامت بنقل عملياتها إلى عنوان فندق فاخر في كوفنت غاردن بلندن.

أسست الشركة برأس مال 10 آلاف جنيه إسترليني، ويشير سجل الشركات إلى أن أحد المؤسسين يُعتبر “شخصًا يتمتع بسيطرة كبيرة”، وهو ما يعكس السيطرة الفعلية على شبكة المرتزقة.

فندق والدورف هيلتون وسط لندن، استخدمت شركة Zeuz Global رموزه البريدية بعد نقل عملياتها من شمال لندن، ضمن تحقيق الغارديان حول تجنيد المرتزقة الكولومبيين للقتال في السودان

تم استخدام العنوان الجديد بشكل خداعي ضمن فندق فاخر بعيدًا عن المراقبة المباشرة، مما يعكس مدى استغلال الثغرات القانونية في المملكة المتحدة لتسهيل أعمال غير قانونية دولية، بما في ذلك تجنيد المرتزقة وتحويل الأموال لدعم النزاعات المسلحة.

الشخصيات الرئيسية والعقوبات الأمريكية

يقود شبكة المرتزقة الكولومبيين ألفارو أندريس كويخانو بيسيرا، ضابط عسكري متقاعد من كولومبيا ويحمل الجنسية الإيطالية، ويقيم في الإمارات. وتلعب زوجته كلوديا فيفيانا أوليفروس فوريرو دورًا محوريًا في إدارة الوكالات والشركات الممولة للشبكة.

فندق وان ألدويتش وسط لندن، استخدمته شركة Zeuz Global لنقل عملياتها بعد عقوبات أمريكية

فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على كويخانو وزوجته لتورطهم في تجنيد المرتزقة وتسهيل العمليات العسكرية في السودان، بما في ذلك إدارة تحويلات مالية بملايين الدولارات لدعم القتال في الفاشر ومخيمات النازحين.

المحللون يؤكدون أن هذه العمليات تمثل شبكة عالمية معقدة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والسياسية، وتمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي والدولي.

المخاطر الإنسانية والتقنية للحرب في السودان

أوضح الباحث السابق في لجنة خبراء الأمم المتحدة مايك لويس، أن الحرب في السودان أصبحت “حربًا ذات تقنية عالية”، حيث تسهم الطائرات المسيّرة والأسلحة الموجهة في سقوط ضحايا مدنيين يوميًا، وتعتمد على دعم خارجي لتشغيلها.

وأشار لويس إلى أن عملية المرتزقة الكولومبيين كانت عنصرًا رئيسيًا في هذا الدعم الخارجي، مما ساعد قوات الدعم السريع على تنفيذ القتل المنهجي ضد المدنيين واستهداف المنازل والمرافق العامة.

نازحون سودانيون يفرون من هجوم قوات الدعم السريع على مخيم زمزم في أبريل، ضمن العمليات التي شارك فيها المرتزقة الكولومبيون

الفجوات القانونية البريطانية واستغلالها

أكد الخبراء أن تأسيس شركات مثل Zeuz Global يشكل “جواز سفر للمجرمين” لممارسة الأعمال التجارية بحرية، بما في ذلك تهريب الأسلحة والمساعدات العسكرية إلى جهات خاضعة للحظر.

ثغرات نظام تسجيل الشركات البريطاني تجعل من الصعب تطبيق الرقابة الفعالة، مما يسمح للشبكات الدولية بممارسة أعمال غير قانونية دون مراقبة مناسبة، ويطرح تساؤلات حول دور الحكومة البريطانية في منع هذا النوع من النشاطات.

ردود فعل حكومية ودولية

أدانت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر قوات الدعم السريع لارتكابها “جرائم قتل ممنهجة وتعذيب وعنف جنسي”، فيما تؤكد الولايات المتحدة تورطهم في إبادة جماعية.

قوات الدعم السريع شبه العسكرية تستخدم أسلحة عالية التقنية تحتاج لدعم خارجي لتشغيلها، وفق تحقيق الغارديان حول دور المرتزقة والشركات الدولية في السودان

كما أعلنت الحكومة البريطانية عن تطبيق التحقق الإلزامي من الهوية للمديرين والأشخاص ذوي السيطرة الكبيرة على الشركات، لضمان عدم استغلال الثغرات القانونية لتسهيل أنشطة غير قانونية خارجية، وهو ما يعد خطوة أولى نحو تعزيز الرقابة على الشركات الأجنبية في المملكة المتحدة.

تورط دولي إضافي

أظهرت التحقيقات أن شركات أمريكية وإماراتية دعمت الشبكة، حيث قامت شركات مقرها الولايات المتحدة بتحويل ملايين الدولارات، وزود رجال أعمال إماراتيون قوات الدعم السريع بالكولومبيين عبر صلات بمسؤولين حكوميين.

صبية ورجال سودانيون يتلقون تدريباً عسكرياً على يد مرتزقة كولومبيين في السودان لدعم قوات الدعم السريع

يشير الخبراء إلى أن هذه الشبكات العابرة للحدود تجعل النزاعات أكثر تعقيدًا، وتزيد من صعوبة محاسبة المسؤولين عن الجرائم الدولية، ما يعكس ضعف الرقابة الدولية على عمليات المرتزقة.

الانعكاسات الإنسانية والسياسية

تسببت العمليات العسكرية التي دعمها المرتزقة الكولومبيون في مقتل آلاف المدنيين، وتهجير مئات الآلاف، وتحويل مدن كاملة إلى مناطق دمار شامل.

أكد لويس أن الوضع يكشف هشاشة الرقابة الدولية على توظيف المرتزقة، ويطرح تساؤلات حول مسؤولية الدول في منع الجرائم ضد الإنسانية، خصوصًا فيما يتعلق بتجنيد المرتزقة واستخدامهم في النزاعات المسلحة.

كما تؤكد التقارير الحقوقية أن استمرار هذه الأنشطة يفاقم الأزمة الإنسانية في السودان ويعيق وصول المساعدات الدولية للمتضررين.

الخاتمة

تكشف هذه التحقيقات الحصرية للغارديان عن شبكة معقدة من الشركات الدولية والمرتزقة، من شقة صغيرة في شمال لندن إلى ساحات القتال في الفاشر ودارفور، مما يسلط الضوء على هشاشة الرقابة القانونية الدولية وأهمية التدخل السريع لوقف الجرائم ضد الإنسانية.

"
كشف تحقيق حصري أجرته صحيفة الغارديان البريطانية، أعدّه الصحفي مارك تاونسند، عن تورط شركات مسجلة في المملكة في تجنيد مئات المرتزقة الكولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع السودانية، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية واسعة النطاق. يربط التحقيق بين شقة صغيرة في شمال لندن وشبكة دولية لتجنيد المرتزقة، يديرها أشخاص خضعوا لعقوبات أمريكية بسبب
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة