
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، دخلت البلاد واحدة من أعقد وأقسى أزماتها السياسية والإنسانية في تاريخها الحديث. ما بدأ كصراع على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، سرعان ما تحوّل إلى حرب مفتوحة أودت بحياة عشرات الآلاف، ودفعت ملايين المدنيين إلى النزوح، ووضعت السودان على حافة الانهيار الكامل.
السودان: واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا
وفق تقديرات الأمم المتحدة، يواجه السودان اليوم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالميًا، مع اتساع رقعة الجوع، وانهيار النظام الصحي، وتفكك مؤسسات الدولة. ومع تعثر كل محاولات وقف إطلاق النار، بات الصراع السوداني نموذجًا لحرب طويلة الأمد تُدار بلا أفق سياسي واضح.
في هذا السياق، لم يعد النقاش الدولي محصورًا في أطراف الصراع الداخلية، بل اتجه بشكل متزايد إلى أدوار القوى الإقليمية والدولية. ومن بين هذه القوى، برز اسم دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفه أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في التغطيات الإعلامية الغربية.
تتأرجح صورة الإمارات في الإعلام الغربي بين روايتين متناقضتين: الأولى تراها فاعلًا دبلوماسيًا وإنسانيًا يسعى إلى تهدئة الصراع، والثانية تشكك في دوافعها وتربطها بأجندات نفوذ إقليمية. فهم هذا التناقض يتطلب قراءة متأنية، لا لما تقوله أبوظبي فحسب، بل لكيفية بناء السرديات حول حرب السودان في الإعلام الدولي.
السودان: أزمة داخلية بأصداء خارجية
في جوهرها، تبقى حرب السودان نتاج فشل داخلي مركب. فمرحلة ما بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019 شهدت انتقالًا هشًا، لم تنجح فيه القوى المدنية والعسكرية في بناء شراكة مستقرة، ولا في حسم قضايا السلطة والشرعية وإصلاح المؤسسة العسكرية.
هذا الفشل البنيوي مهّد الطريق لانفجار الصراع، كما تشير تقارير متكررة لوكالات غربية مثل رويترز وأسوشيتد برس، التي تؤكد أن جذور الحرب سودانية بالدرجة الأولى، حتى وإن تداخلت معها لاحقًا عوامل إقليمية.
غير أن الموقع الجغرافي للسودان، المطل على البحر الأحمر والمجاور لمنطقة القرن الأفريقي والساحل، جعله ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، وهو ما فتح الباب أمام توسيع دائرة الاتهام لتشمل قوى خارجية.
الموقف الإماراتي الرسمي: سردية واضحة
في مواجهة هذا الجدل، حرصت الإمارات على تقديم موقف معلن ومتكرر تجاه الأزمة السودانية. وكان الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أبرز من عبّر عن هذا الموقف.
في تصريحاته عبر حسابه الرسمي على منصة إكس، أكد قرقاش على مجموعة من الثوابت التالية:
- أن الإمارات ليست طرفًا في النزاع العسكري، ولا تدعم أيًا من أطرافه بالسلاح.
- أن السلام والحكم المدني مطالب سودانية داخلية، وليست مشروعًا تفرضه أبوظبي.
- أن حق تقرير المصير، في أي منطقة سودانية، هو حق لأهلها وحدهم.
- أن السياسة الإماراتية تقوم على الشراكة لا الهيمنة، وعلى الاستقرار لا النفوذ.
ويرى قرقاش أن جزءًا كبيرًا من الحملات ضد بلاده يتجاهل السياق الداخلي للأزمة، ويُستخدم كأداة سياسية للهروب من مسؤوليات محلية أو لتصفية حسابات إقليمية.
الدبلوماسية الإنسانية: أقوى أوراق الإمارات
إذا كان الجدل السياسي محتدمًا، فإن أكثر ما تستند إليه الإمارات في الدفاع عن موقفها هو سجلها الإنساني في السودان.
تقارير أوروبية ودولية أشارت إلى أن أبوظبي كانت من بين أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية المتعلقة بالسودان، سواء داخل البلاد أو في دول الجوار التي استقبلت اللاجئين. وتشمل هذه المساعدات دعم الغذاء، والرعاية الصحية، وإقامة مستشفيات ميدانية، إضافة إلى تسيير جسور جوية لإيصال الإغاثة.
من وجهة النظر الإماراتية، لا يمكن فصل هذا الدور الإنساني عن موقفها السياسي، إذ ترى أن حماية المدنيين وتخفيف معاناتهم يجب أن تسبق أي حسابات جيوسياسية.
غير أن منتقدي هذا الطرح يجادلون بأن العمل الإنساني لا ينفي بالضرورة وجود مصالح سياسية. ويأتي الرد الإماراتي بأن الاتهامات، ما لم تستند إلى أدلة قانونية واضحة، تبقى في إطار الشكوك لا الحقائق.
الإعلام الأميركي: براغماتية وتركيز إنساني
في الولايات المتحدة، تبدو التغطية الإعلامية أقل حدّة تجاه الإمارات. فوسائل إعلام كبرى مثل أسوشيتد برس وسي إن إن تركّز أساسًا على الكارثة الإنسانية وتعثر المسار الدبلوماسي.
غالبًا ما تُنقل التصريحات الإماراتية الداعية إلى وقف إطلاق النار ضمن سياق أوسع يشمل مواقف واشنطن والأمم المتحدة، دون تحميل الإمارات مسؤولية مباشرة عن استمرار الحرب.
هذا النمط يعكس مقاربة أميركية براغماتية، ترى في الإمارات لاعبًا إقليميًا يمكن أن يكون جزءًا من الحل، أو على الأقل من مساعي احتواء الأزمة.
الإعلام البريطاني: تشكيك مشروع أم افتراضات؟
في المقابل، تتسم التغطية البريطانية، وخصوصًا في الغارديان وبي بي سي، بقدر أعلى من التشكيك. فقد نشرت هذه المنابر تقارير وتحليلات تتناول مزاعم دعم إماراتي غير مباشر لقوات الدعم السريع.
غير أن هذه التقارير تعتمد في الغالب على مصادر غير معلنة أو تسريبات، وتحرص – نظريًا – على إدراج النفي الإماراتي. ومع ذلك، فإن الإطار العام يظل استجوابيًا، يطرح الأسئلة أكثر مما يقدم أجوبة قاطعة.
هذا النهج ينسجم مع فلسفة الصحافة الاستقصائية البريطانية، لكنه في الوقت ذاته يساهم في ترسيخ صورة ملتبسة عن الدور الإماراتي.
الإعلام الفرنسي: الجغرافيا السياسية أولًا
أما الإعلام الفرنسي، مثل لوموند وفرانس 24، فيميل إلى قراءة الأزمة السودانية ضمن إطار أوسع من التنافس الجيوسياسي في أفريقيا.
تُقدَّم الإمارات أحيانًا بوصفها جزءًا من شبكة قوى إقليمية صاعدة تسعى إلى توسيع نفوذها في القارة. ومع ذلك، لا تُغفل هذه التغطيات الإشارة إلى الدور الإنساني الإماراتي، ما يخلق سردية مزدوجة تجمع بين النقد والاعتراف.
معركة السرديات: من يتحكم في القصة؟
من منظور إماراتي، لا يتعلق الأمر فقط بالسياسات على الأرض، بل بـمعركة سرديات. فبحسب قرقاش، تُستخدم بعض الاتهامات كأدوات سياسية، سواء من أطراف سودانية تسعى لتدويل أزمتها، أو من منافسين إقليميين.
هذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل التركيز المفرط على الأدوار الخارجية يساهم في فهم الأزمة، أم أنه يطمس مسؤوليات الفاعلين المحليين الذين أشعلوا الحرب؟
الصوت الغائب: المدنيون السودانيون
وسط هذا الجدل، يغيب في كثير من الأحيان صوت السودانيين أنفسهم. فبين الأرقام والإحصاءات والتحليلات، نادرًا ما يُفسح المجال أمام المدنيين للتعبير عن رؤيتهم لدور الأطراف الخارجية.
بالنسبة لكثيرين داخل السودان، لا تعنيهم السجالات السياسية بقدر ما تعنيهم الأسئلة اليومية البسيطة: هل يصل الطعام؟ هل تعمل المستشفيات؟ هل تتوقف الحرب؟
المسؤولية… بين الاتهام والإثبات
لا يمكن لأي تحليل جاد أن يتجاهل الاتهامات الموجهة إلى قوى إقليمية، بما فيها الإمارات. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن التعامل مع هذه الاتهامات باعتبارها حقائق نهائية دون أدلة قانونية مستقلة.
حتى الآن، لم تصدر أحكام أو تقارير دولية قاطعة تثبت تورط الإمارات عسكريًا في الصراع، وهو ما يترك المسألة في منطقة رمادية بين الشبهة وعدم الإثبات.
تقييم مفتوح لا حكم نهائي
يقع دور الإمارات في السودان عند تقاطع حساس بين الدبلوماسية الإنسانية، والتأثير الإقليمي، والتغطيات الإعلامية المتباينة. ويقدّم مسؤولون إماراتيون، وفي مقدمتهم أنور قرقاش، سردية تقوم على دعم السلام والحكم المدني ورفض الحلول العسكرية.
في المقابل، يواصل الإعلام الغربي طرح الأسئلة، وأحيانًا الشكوك، دون إجابات حاسمة.
ما هو مؤكد أن حرب السودان لن تنتهي بمعارك السرديات وحدها. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الدبلوماسية الإقليمية، بما فيها الدور الإماراتي، تحويل الخطاب السياسي والمساعدات الإنسانية إلى ضغط فعلي يوقف الحرب؟
حتى ذلك الحين، يظل السودان غارقًا في النزاع، ويظل الجدل حول المسؤوليات قائمًا… دون نهاية قريبة.
محمد فال معاوية – باحث في الشؤون السياسية والدولية




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *