
لم تعد الحروب في العالم العربي تُدار من داخل حدود الدول وحدها، ولا تُحسم بقرارات العواصم الرسمية فقط. من غزة إلى اليمن، مرورًا بسوريا ولبنان والسودان، تتكشف خريطة معقدة للصراعات، تتحرك فيها الجبهات بأوامر غير معلنة، وتُدار فيها المعارك عبر وسطاء، وفاعلين غير دوليين، وتقاطعات إقليمية ودولية تتجاوز منطق السيادة التقليدية.
في هذه الساحات المتعددة، لم يعد السؤال الأساسي هو من يقاتل من، بل من يدير الصراع نفسه: من يحدد توقيت التصعيد والتهدئة؟ من يرسم خطوط النار وحدودها؟ ومن يحوّل الأزمات المحلية إلى حلقات في صراع إقليمي مفتوح؟
في هذا التحقيق الاستقصائي، تكشف «اليوم ميديا» عن بنية إدارة الصراعات العربية، عبر تتبع أدوار الفاعلين المحليين والفصائل المسلحة، والتدخلات الإقليمية والدولية، في لحظة تاريخية يشهد فيها الشرق الأوسط إعادة تشكيل عميقة، حيث تُرسم الخرائط بالقوة وليس بالحبر.
الخلفية التاريخية للصراع في المنطقة
لم يكن الصراع في العالم العربي، في أي مرحلة من تاريخه الحديث، نتاج صدامات داخلية معزولة أو قرارات سيادية خالصة. فمنذ تشكّل الدول العربية بعد انهيار الدولة العثمانية، ظلت إدارة الصراع مرتبطة بتوازنات خارجية، واتفاقات نفوذ، وحدود رُسمت وفق مصالح القوى الكبرى.
خلال الحرب الباردة، تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس دولي، ثم دخلت مرحلة جديدة بعد نهاية الثنائية القطبية، لتتصاعد التدخلات بعد الغزو الأميركي للعراق، ثم تتعمق أكثر مع موجة “الربيع العربي”، التي كشفت هشاشة الدولة الوطنية وفتحت الباب أمام صراعات طويلة الأمد ما زالت مستمرة حتى اليوم.
بهذا المعنى، فإن تشابك الصراعات الراهنة ليس استثناءً، بل امتدادٌ لنمط تاريخي تُدار فيه الأزمات العربية من خارجها بقدر ما تُدار من داخلها.
الفواعل غير الدوليين: القوة التي تغيّر قواعد اللعبة
في الشرق الأوسط المعاصر، لم تعد الدولة اللاعب الوحيد في الحرب والسلم. فصائل مسلحة وتنظيمات عقائدية تحولت إلى فاعلين سياسيين وعسكريين مستقلين، يمتلكون القدرة على فرض وقائع ميدانية والتأثير في القرارات الإقليمية.
- غزة: تمارس حماس سلطة فعلية تجعلها طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية أو سياسية.
- لبنان: يشكل حزب الله قوة عسكرية وسياسية تتجاوز مؤسسات الدولة، مع ارتباطه بشبكات إقليمية معقدة.
- اليمن: يسيطر الحوثيون على مساحات واسعة من البلاد، ويمتلكون قدرة على تهديد الملاحة الإقليمية وحدود الدول المجاورة.
- السودان: تحولت قوات الدعم السريع إلى فاعل عسكري مستقل ينازع الدولة سلطتها، ويمسك بمناطق استراتيجية ومصادر نفوذ.
وجود هذه الفواعل يعقّد أي تسوية سياسية، لأن قرارات الحرب لم تعد محصورة في العواصم الرسمية، بل موزعة بين أطراف متعددة ذات أجندات متضاربة.
سوريا: إعادة رسم النفوذ وسط هشاشة الدولة
بعد سنوات من الصراع وسقوط النظام السابق، دخلت سوريا مرحلة جديدة مع صعود النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، مع تركيز على استقرار المؤسسات وبناء الدولة. المشهد السياسي لا يزال هشًا بفعل تعدد الفواعل الداخلية والخارجية.
- تركيا تتصدر المشهد الإقليمي بنفوذ واسع في الشمال والوسط، مع دعم للنظام الجديد لضمان مصالحها الاستراتيجية.
- الإمارات والسعودية تنسقان جزئيًا مع أنقرة لدعم الاستقرار، بينما إيران انسحبت جزئيًا لكنها تحافظ على علاقاتها مع حلفائها.
- الولايات المتحدة وإسرائيل تلعبان دورًا استراتيجيًا عبر مراقبة الوضع العسكري والسياسي وفرض خطوط حمراء.
- تنظيم داعش يستغل الفراغ الأمني والانقسامات لتوسيع نفوذه وفرض وقائع ميدانية جديدة.
- نتيجة ذلك، سوريا تبقى منصة لصراع متعدد الطبقات، حيث تتداخل الحسابات المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، ويظل أي مسار للتهدئة مرتبطًا بموازين القوى وقدرة الأطراف على إدارة الفواعل المتعددة.
السودان: حرب داخلية بصراعات خارجية
يشهد السودان منذ 2023 صراعًا دمويًا بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، تفاقم في 2025 مع تدهور غير مسبوق للوضع الإنساني وانهيار مؤسسات الدولة. هذا الصراع لم يبقَ داخليًا، بل تحوّل إلى ساحة تنافس إقليمي واضح.
- مصر والسعودية: دعمتا الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، انطلاقًا من اعتبارات الاستقرار الإقليمي وأمن البحر الأحمر.
- الإمارات: دعمت قوات الدعم السريع لتعزيز نفوذها السياسي والعسكري في السودان.
هذا الانقسام العربي جعل من السودان نموذجًا صارخًا لكيفية إدارة الحروب بالوكالة، حيث تُغذّى الصراعات المحلية بتوازنات خارجية تزيدها تعقيدًا وطولًا.
اليمن: صراع متعدد المستويات وأثر الفواعل الإقليمية
اليمن يمثل أحد أكثر النزاعات تعقيدًا في المنطقة. فالحرب التي اندلعت قبل أكثر من عقد لم تعد مجرد صراع داخلي، بل تحولت إلى معادلة إقليمية متعددة المستويات.
- السعودية: تقود دعم الحكومة المعترف بها دوليًا، في محاولة لتأمين حدودها ومنع تحوّل اليمن إلى منصة تهديد دائم.
- الحوثيون: يواصلون فرض سيطرتهم على الشمال، مستفيدين من هشاشة الدولة والانقسامات الداخلية.
- الإمارات: تركز على الجنوب اليمني عبر دعم قوى محلية، ما يعكس اختلاف أولويات التحالف نفسه، ويؤكد أن إدارة الصراع لم تعد موحدة حتى بين الحلفاء.
غزة: الحرب المستمرة وتوازنات القوى الإقليمية
بعد استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، دخل القطاع مرحلة جديدة مليئة بالدمار الإنساني والتوتر السياسي. تواصل إسرائيل اعتماد سياسة الردع العسكري، في حين تظل جميع محاولات التهدئة عاجزة عن تحقيق حل دائم للأزمة.
- مصر: دور الوسيط الأساسي في وقف إطلاق النار.
- قطر: فاعل محوري في التهدئة والدعم الإنساني.
- الانقسامات الفلسطينية: عامل أساسي في إدامة الأزمة.
غزة تحولت إلى بؤرة اختبار دائمة لتوازنات إقليمية أوسع، حيث تتقاطع الحسابات المحلية مع صراعات الشرق الأوسط الكبرى.
لبنان: صراع داخلي وانقسام النفوذ الإقليمي
يعاني لبنان من أزمة سياسية واقتصادية غير مسبوقة، وسط عجز الدولة عن فرض سيادتها. حزب الله يظل اللاعب الأقوى عسكريًا، مع قدرة على التأثير في القرارين الداخلي والخارجي.
في المقابل، تحاول السعودية ودول الخليج دعم قوى سياسية لبنانية لموازنة نفوذ الحزب، ما يجعل لبنان ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية، ويحول دون أي استقرار طويل الأمد.
الانتقال إلى التحليل الإقليمي والدولي
بين هذه الساحات المختلفة، يتضح أن الصراعات لا تُدار بمعزل عن القوى الكبرى، وأن لكل دولة أو فصيل تأثير مباشر على توازنات المنطقة. هذا يقودنا إلى تحليل من يدير الصراعات العربية على المستويين الإقليمي والدولي.
من يدير الصراعات العربية؟
بعد النظر في مسارات الصراع العربي، يظهر سؤال محوري: من يدير هذه الحروب؟ الإجابة ليست بسيطة، لأن الصراعات في الشرق الأوسط تتشابك بين مستويات متعددة: محلية، إقليمية، ودولية، ويجعل الفساد والانقسامات الداخلية بعض الدول أدوات إضافية في إدارة النزاعات.
اللاعبين الدوليين: الولايات المتحدة وروسيا والصين
لا تزال الولايات المتحدة وروسيا والصين لاعبين أساسيين في إدارة الصراعات العربية، كلٌّ وفق استراتيجيته الخاصة بين التدخل المباشر والضغط الدبلوماسي، مع الحفاظ على خطوط حمراء واستراتيجيات حماية مصالحهم في المنطقة.
القوى الإقليمية والإدارة المباشرة: السعودية، الإمارات، تركيا، إيران، إسرائيل
في هذا الفراغ النسبي، برزت قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات وتركيا وإيران وإسرائيل، كلاعبين مباشرين في توجيه مسارات الصراع، كلٌّ وفق مصالحه الأمنية والسياسية وأدواته المختلفة، ما يعكس تعددية النفوذ الإقليمي في المنطقة.
الفواعل غير الحكومية وتأثير الفساد: الإخوان المسلمون وداعش
إلى جانب القوى الرسمية، ظهرت فواعل غير حكومية مثل جماعة الإخوان المسلمين وداعش، التي استغلت الانقسامات السياسية والفساد المستشري في بعض الدول لتوسيع نفوذها وفرض وقائع ميدانية جديدة، ما يعقّد أي محاولة لتحقيق استقرار طويل الأمد.
انعدام المساواة في إدارة الصراعات واستمرار النزاعات
هذه التعددية في مراكز النفوذ خلقت حالة من انعدام المساواة في إدارة الصراعات، حيث تمتلك بعض القوى القدرة على التحكم بالمسارات الأمنية والعسكرية وحماية حلفائها، بينما تُترك مناطق أخرى عرضة للتصعيد المستمر ونقص الإدارة الفاعلة. النتيجة هي مشهد عربي متشابك ومُجزّأ، تُدار فيه الحروب وفق معايير مختلفة، مع أولوية للأمن الاستراتيجي لبعض الأطراف على حساب الاستقرار الإقليمي الشامل، في وقت يبقى فيه الفساد والانقسامات الداخلية أدوات تزيد من طول أمد الصراعات واحتمالية تجددها في أي لحظة.
الدولة الوطنية أم صراعات لا تنتهي؟
الصراعات العربية اليوم ليست حروبًا عشوائية، بل نتاج منظومة إدارة معقدة تتشابك فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية. ما يجري من غزة إلى اليمن ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل مشهد واحد لحرب إقليمية غير معلنة، تُدار بأدوات متعددة وتوازنات متغيرة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتجه الشرق الأوسط نحو إعادة إنتاج الدولة الوطنية، أم نحو مرحلة طويلة من الصراعات المُدارة بلا حلول؟ الإجابة لا تزال معلّقة على قرارات لم تُتخذ بعد، وعلى شعوب تدفع ثمن حروب لا تتحكم في مساراتها.
محمد فال معاوية – باحث في الشؤون السياسية والدولية




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *