
من معتقل سابق في سجون القاعدة إلى رئيس دولة يُستقبل في البيت الأبيض… التحول الأخطر في تاريخ سوريا الحديث.
تحقيق خاص
خلف بوابة زرقاء صدئة، تتشابك حولها أوراق نباتية كثيفة، يقف منزل ريفي متواضع في إحدى قرى إدلب. يقول سكان المنطقة إنه كان في وقت ما أحد المخابئ السرية لأحمد الشرع، الرجل الذي أصبح اليوم رئيسًا لسوريا بعد انهيار نظام بشار الأسد. في تلك السنوات، كان اسمه معروفًا في دوائر محدودة فقط، ويُعرف أكثر باسم “أبو محمد الجولاني”، وكان يُرى أحيانًا في السوق أو المسجد المحلي، دون حراسة أو أي مظاهر للسلطة، كأنه جزء من النسيج اليومي للقرية نفسها.
وبحسب تقرير مطوّل نشرته صحيفة تلغراف البريطانية، فإن هذا المنزل لم يكن سوى محطة عابرة في مسار استثنائي ومعقّد لرجل أعاد تشكيل الخريطة السياسية لسوريا، وأثار واحدة من أكثر التحولات إثارة للجدل في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.

الرئيس السوري أحمد الشرع يظهر بالزي العسكري في ظهوره العلني الأول بعد توليه السلطة، في رسالة رمزية للقوة والسيطرة على المشهد العسكري والسياسي.
من إدلب إلى دمشق… انهيار سريع لحكم استمر نصف قرن
في ديسمبر 2024، قاد أحمد الشرع تحالفًا عسكريًا فاجأ المراقبين بسرعته وتنظيمه، فتمكن خلال أيام قليلة من السيطرة على مدينة حلب، قبل أن يواصل تقدمه نحو العاصمة دمشق، التي دخلها منتصرًا بعد أقل من أسبوعين. مع سقوط دمشق، انهار حكم عائلة الأسد الذي دام أكثر من خمسين عامًا، وسط مشاهد احتفال شعبي امتزجت بذهول إقليمي ودولي.
هذا الانتصار لم يكن معزولًا عن سياقه الإقليمي. فحلفاء النظام السابق كانوا في أضعف حالاتهم؛ إيران خرجت منهكة من مواجهة عسكرية قصيرة لكنها مكلفة مع إسرائيل، وروسيا كانت غارقة في حرب أوكرانيا، ما جعل التدخل لإنقاذ الأسد خيارًا غير مطروح.
رجل المرحلة… صعود غير متوقع
مع فرار بشار الأسد إلى المنفى في موسكو، وجد أحمد الشرع نفسه الزعيم الفعلي لسوريا بين ليلة وضحاها. وفي يناير 2025، تم إضفاء الطابع الرسمي على هذا الواقع بإعلانه رئيسًا للبلاد، وحلّ البرلمان السابق، وتفكيك الجيش، وإلغاء الدستور، في خطوة وصفت بأنها بداية “الجمهورية الجديدة”.
كان عمر الشرع حينها 43 عامًا، وهو سن يُعد صغيرًا نسبيًا لزعيم دولة خارجة من حرب طويلة، لكنه يحمل في طياته سيرة استثنائية: شاب غادر سوريا في مطلع الألفية، قاتل في العراق، سُجن لدى القوات الأمريكية، ثم عاد ليصبح أحد أبرز قادة المعارضة المسلحة، قبل أن يتحول إلى رجل دولة.

أحمد الشرع في أول ظهور رسمي كرئيس لسوريا في يناير 2025، بعد سقوط نظام بشار الأسد
الجذور الأولى… من السعودية إلى دمشق
وُلد أحمد الشرع عام 1982 في المملكة العربية السعودية لأبوين سوريين، قبل أن تنتقل العائلة لاحقًا إلى دمشق، حيث عمل والده مستشارًا في قطاع النفط. نشأ في حي المزة الشرقية، المعروف بطابعه الميسور، وكان يُعرف بين جيرانه بالهدوء والميل إلى القراءة، بعيدًا عن أي ملامح تطرف مبكر.
لكن عودة العائلة إلى “الجذور” لم تكن مكتملة؛ فقبل عام من ولادته، كانت إسرائيل قد ضمّت مرتفعات الجولان، وهي الخلفية التي سيستحضرها لاحقًا في اسمه الحركي.
العراق… نقطة التحول الكبرى
في عام 2003، ومع الغزو الأمريكي للعراق، تسلل الشرع عبر الحدود الشرقية لسوريا، وكان في العشرين من عمره. انضم إلى فرع من تنظيم القاعدة، لكن التقارير تشير إلى أن دوره كان محدودًا في تلك المرحلة. في عام 2005، ألقت القوات الأمريكية القبض عليه، لينتقل بين عدة سجون، من بينها سجن أبو غريب سيئ السمعة.

السيد أحمد الشرع يظهر أثناء احتجازه في العراق وهو يرفع لافتة كتب عليها الاسم المستعار “أمجد مظفر حسين علي”، في إشارة إلى هويته المخبأة خلال فترة سجنه ضمن تحقيقات مكافحة الإرهاب.
خلال ست سنوات من الاعتقال، استخدم اسمًا مستعارًا، وادعى أنه عراقي لتجنب الترحيل. أُطلق سراحه في مارس 2011 دون توجيه تهم، وبعد أيام فقط، اندلعت الاحتجاجات الأولى ضد نظام الأسد.
العودة إلى سوريا… ولادة جبهة النصرة
رأى الشرع في اللحظة فرصة تاريخية. حصل على دعم محدود من تنظيم القاعدة في العراق، وعاد إلى سوريا ليؤسس “جبهة النصرة”، التي بدأت بشن هجمات ضد قوات النظام. في مقابلاته الأولى، لم يُخفِ خطابه الجهادي، وصرّح علنًا بأنه لا يسعى للحكم بل لتطبيق الشريعة.
في تلك الفترة، سرت شائعات عن مقتله، حتى أن عائلته غادرت حي المزة بعد سماعها خبر وفاته. لكن الرجل كان في الواقع يؤسس لمرحلة جديدة من الصراع.

أجرى أحمد الشرع مقابلة نادرة مع قناة الجزيرة عام 2015، محافظًا على سرية هويته ووجهه مغطّى، في مشهد نادر يعكس حرصه على البقاء بعيدًا عن الأنظار قبل وصوله إلى رئاسة سوريا.
الانفصال عن القاعدة… بداية التحول
في عام 2016، أعلن الشرع انفصاله عن تنظيم القاعدة، في خطوة مفصلية أعادت تشكيل صورته داخليًا وخارجيًا. وبعد عام واحد، نجح في توحيد فصائل معارضة متفرقة تحت مظلة واحدة، ما عزز قوته العسكرية والسياسية.
يرى مقربون منه أن هذا التحول لم يكن تكتيكيًا فقط، بل كان تعبيرًا عن مشروع طويل الأمد لبناء كيان سياسي قادر على حكم سوريا بعد الأسد.
من قائد ميداني إلى رئيس دولة
مع دخوله القصر الجمهوري، بدأ الشرع في إعادة تقديم نفسه للعالم. استقبل وفودًا دبلوماسية، وأجرى جولات خارجية، وألقى كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في أول خطاب لرئيس سوري هناك منذ أكثر من ستة عقود.
في هذا السياق، لعبت بريطانيا دورًا لافتًا. فبحسب تلغراف، أقامت جهات استشارية بريطانية قنوات اتصال مبكرة مع الشرع، حتى قبل سقوط النظام، وأسهمت لاحقًا في إعادة صياغة صورته العامة، بما في ذلك مظهره وظهوره الإعلامي.
العهد الجديد… رمزية المظهر والدبلوماسية
أصبح الشرع يظهر ببدلات رسمية بدل الزي العسكري، في رسالة رمزية عن نهاية مرحلة وبداية أخرى. لم تعد الخطابات الحماسية هي السائدة، بل لغة الدولة والمؤسسات، في محاولة واضحة لطمأنة الداخل والخارج.

السيد أحمد الشرع يظهر في الصورة إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أثناء إلقائه كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر، في خطوة تعكس ظهوره الرسمي على المسرح الدولي بعد توليه رئاسة سوريا.
هذا التحول لم يكن شكليًا فقط، بل رافقه انفتاح دبلوماسي واسع، تُوّج برفع المكافأة الأمريكية التي كانت مرصودة لرأسه، ثم رفع معظم العقوبات الغربية عن سوريا.
ملف اللاجئين… عودة بطيئة ومحفوفة بالمخاوف
أحد أكثر الملفات حساسية هو ملف اللاجئين السوريين، الذين تجاوز عددهم 13 مليونًا بين الداخل والخارج. بعد أكثر من عقد من النزوح، يتوقع الكثيرون عودة جزئية فقط، بسبب تدمير المنازل والبنية التحتية، وغياب فرص العمل، والتوترات الأمنية. وقد بدأت الحكومة بإعداد خطة وطنية للعودة الطوعية، بالتعاون مع الأمم المتحدة، لكن التنفيذ يواجه عراقيل لوجستية وأمنية.

لاجئون يُعتقد أنهم من سوريا يعبرون الحدود إلى المجر عام 2015، جزء من موجة نزوح هائلة أدت إلى فرار مئات الآلاف إلى أوروبا خلال العقد الماضي، في ظل الحرب السورية والأوضاع الإنسانية الحرجة.
يقول توفيق علي دياب، الناجي من هجوم بالأسلحة الكيميائية في دوما: “عودة الناس ليست مسألة مجرد رفع علم أو إعلان. علينا بناء مدارس ومستشفيات وشوارع قبل أن يستطيع الناس العودة بأمان”.
وفي إطار هذا الملف، أطلقت الحكومة برنامجًا لتأهيل الأحياء المتضررة في دمشق وحلب وريفها، مع التركيز على إعادة تشغيل البنية التحتية الحيوية، مثل المياه والكهرباء، وتهيئة فرص عمل مؤقتة للشباب العاطل. ويرى محللون أن هذه المبادرة قد تكون بمثابة اختبار حقيقي لقدرة الشرع على التوفيق بين الطموحات السياسية والواقع الاقتصادي.
العدالة الانتقالية… مواجهة إرث الأسد
لم يغفل الشرع عن ملف العدالة الانتقالية. منذ اللحظة الأولى لتسلمه الحكم، أعلن عن مراجعة ملفات الجرائم المرتكبة في عهد الأسد، بما في ذلك المجازر الجماعية في حلب ودوما. وقد شكلت لجنة تحقيق مستقلة بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الدولية، لمحاولة تحقيق نوع من الإنصاف، في بلد لا يزال يئن من فظائع الحرب.
ويقول أحمد عمر لاشين، المعتقل السابق في سجن صيدنايا: “رؤية الحكومة تحقق ولو جزءاً من العدالة هو شعور جديد للسوريين. هذا ليس فقط عن العقوبات أو القوانين، بل عن كرامتنا كأفراد”.

صورة جوية لسجن صيدنايا العسكري في سوريا، المعروف بانتهاكات حقوق الإنسان وتاريخ سجنه للمعارضين قبل صعود أحمد الشرع.
مع ذلك، يرى بعض الحقوقيين أن الطريق طويل، فالكثير من المسؤولين السابقين لا يزالون أحراراً، بينما لا يملك القضاء البنية التحتية الكافية لتطبيق القانون بفعالية. ويعتبر المراقبون أن نجاح العدالة الانتقالية سيكون عاملًا رئيسيًا في مصداقية الشرع داخليًا وخارجيًا.
الأمن ومواجهة التهديدات الإرهابية
في الجانب الأمني، يواجه الشرع تحديات غير مسبوقة. تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال يمتلك خلايا نائمة، وتشن إسرائيل غارات مستمرة على مواقع أسلحة في سوريا، بدعوى منع وصولها إلى جهات غير أمينة.
وفي هذا السياق، تعاونت سوريا تحت قيادة الشرع مع الولايات المتحدة لتحييد مخابئ التنظيم، وهو تحول كبير مقارنة بعهد الأسد، الذي كانت علاقاته مع إيران وميليشياتها تمر عبر سوريا نفسها. ويشير مراقبون إلى أن هذه السياسة الجديدة أرسَت قاعدة لإعادة بناء الثقة الدولية، لكنها لا تزال هشة أمام أي تصعيد إقليمي.
العلاقات الإقليمية والدور التركي
تركيا كانت لاعبًا رئيسيًا في دعم الشرع خلال تحركاته العسكرية والسياسية. في المقابل، يشير محللون إلى أن هذه العلاقة تحمل حساسية، حيث تسعى أنقرة لحماية مصالحها في الشمال السوري، بما يشمل السيطرة على مناطق استراتيجية وتقويض أي تهديد للأكراد.

في عام 2013، عرضت الولايات المتحدة مكافأة قدرها 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي للقبض على أحمد الشرع، المعروف حينها باسمه في تنظيم القاعدة، قبل أن يصبح لاحقًا رئيسًا لسوريا، في خطوة تؤكد أهميته في دوائر الجهاد العالمي آنذاك.
وفي السنوات الأخيرة، دخلت سوريا أيضاً في حوارات مع إسرائيل والدول العربية لتطبيع العلاقات تدريجيًا، بهدف تفادي الصراعات، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى استدامة هذه السياسات في ظل تحولات إقليمية متسارعة.
المشهد الداخلي: الطائفية والمجتمع المدني
رغم سيطرة الشرع على الحكم، لا تزال التوترات الطائفية قائمة. شهدت بداية العام اشتباكات في السويداء بين ميليشيات درزية وقوات الدولة، في حين قاومت بعض المجتمعات العلويّة دمج مؤسساتها في الدولة الجديدة.
وفي المقابل، بدأت الحكومة في إدماج عناصر من المجتمع المدني في مراكز صنع القرار، لتخفيف الاحتقان، وتمكين الشباب والنساء من المشاركة في العملية السياسية، بما في ذلك 70% من موظفي وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع أعضاء الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق، بعد إعلانها في 29 مارس 2025.
رغدة زيدان، نائبة وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، تقول: “نحن لا نعد وعودًا فقط، بل نعمل على تطبيقها تدريجيًا لضمان شمولية الدولة الجديدة”.
الإعلام والدبلوماسية… صورة جديدة لسوريا
أحد أهم التحولات كان في المجال الإعلامي والدبلوماسي. اعتمد الشرع سياسة الانفتاح الإعلامي المحدود، مستفيدًا من علاقاته الدولية. استقبل أكثر من 70 وفدًا أجنبيًا خلال عامه الأول، وحرص على إظهار صورته كرئيس دولة يسعى إلى الاستقرار وإعادة بناء سوريا.

لقطة تظهر لقاء الرئيس الأميركي ال دونالد ترامب بأحمد الشرع، في حدث رسمي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية الدولية.
وأشار تقرير التلغراف البريطاني إلى أن شركة استشارية في لندن قدمت مشورة لصياغة صورة الشرع وملابسه العامة، بما يشمل البدلة الرسمية بدل الزي العسكري، ليعكس “العهد الجديد” على المسرح الدولي.
الأخلاق والقيادة الشخصية
ما يميز الشرع، وفق مقربين منه، هو التواضع الشخصي. يقود سيارته بنفسه، ويزور أحياء دمشق القديمة بنفسه، ويولي اهتمامًا شخصيًا بالتواصل مع المواطنين. يقول مجد قرمو، مقاتل سابق: “لقد علمنا أن نكون رحماء، وأن نحمي بعضنا البعض مهما حدث… هذا أسلوب قيادته اليوم”.
التحليل النهائي: سوريا على مفترق طرق
بعد مرور عام على سقوط الأسد، يظهر الشرع كرئيس قادر على إعادة سوريا إلى المسرح الدولي، لكنه أيضًا يواجه اختبارًا داخليًا عسيرًا: استقرار الاقتصاد، العدالة الانتقالية، الأمن، ودمج الفصائل المختلفة والمجتمع المدني.

قوة الجيش السوري تتدخل لفرض الأمن وسط احتجاجات العلويين في اللاذقية، حيث قُتل 3 محتجون وعامل أمني، في مشهد يعكس تصاعد التوترات الداخلية في سوريا – رويترز.
يبقى السؤال: هل سيصبح أحمد الشرع الزعيم التاريخي الذي يعيد بناء دولة شاملة ومؤسساتية، أم سيواجه عراقيل تمنعه من الوفاء بالوعود التي قطعها للشعب السوري؟
ختام الصورة الكبرى
المشهد السوري اليوم يعكس تحولًا تاريخيًا غير مسبوق، من معتقل جهادي سابق إلى رئيس دولة، بمزيج من الدبلوماسية، والإصلاح الداخلي، والتحديات الاقتصادية، والتهديدات الأمنية، ونصائح بريطانية لتقديم صورة عامة جديدة. سوريا الجديدة، رغم العقبات، تسعى إلى تقديم نموذج جديد في الشرق الأوسط، على أمل أن يكون الطريق نحو الاستقرار والتحول السياسي أكثر استدامة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *