
هل ما زال هناك ما يمكن تسميته بالنظام الغربي؟ لم يعد هذا السؤال نظريًا أو حكرًا على النخب السياسية والفكرية، بل أصبح حاضرًا بقوة في وعي الأوروبيين أنفسهم، كما يكشف استطلاع رأي عام جديد أظهر درجة عالية من التشاؤم تجاه قدرة أوروبا على المنافسة، أو حتى الصمود، في وجه القوى العظمى، داخل عالم يتغير بسرعة ويفقد فيه ما كان يُعرف بالغرب تماسكه الجيوسياسي التقليدي.
هل ما زال هناك ما يمكن تسميته بالنظام الغربي؟
هذا التحول في المزاج الأوروبي لا يأتي من فراغ، بل يعكس شعورًا متناميًا بأن النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا بعد نهاية الحرب الباردة، لم يعد يعمل وفق القواعد نفسها، وأن أوروبا، التي كانت يومًا أحد أعمدته الأساسية، تجد نفسها اليوم في موقع دفاعي غير مريح. لمزيد من الرؤى والتحليلات العميقة حول هذه التحولات الدولية، يمكنكم زيارة قسم التحليلات على موقعنا وقراءة مقالات متخصصة تقدم فهماً أوسع للسياق الجيوسياسي الحالي.
لحظة أوروبية فاصلة في عالم مضطرب
في هذا السياق، كتب تيموثي آش، في مقاله الذي نشرته صحيفة “ذا غارديان” البريطانية، أن الاتحاد الأوروبي يواجه لحظة مصيرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فإما أن يعيد تعريف نفسه كقوة قادرة على التأثير، وكبح موجة الفوضى الدولية المتصاعدة، أو أن ينزلق تدريجيًا إلى عالم تحكمه إمبرياليات استبدادية لا تؤمن بالقواعد ولا بالقيم الليبرالية التي قامت عليها أوروبا الحديثة.
اقرأ أيضا: ترامب وغرينلاند: طموحات أميركية للهيمنة على نصف الكرة الغربي
ويرى آش أن الخطر لا يكمن فقط في صعود هذه الإمبرياليات، بل في عجز أوروبا عن إدراك طبيعة التحول الجاري والتعامل معه بواقعية سياسية جديدة، تتجاوز الخطاب التقليدي الذي لم يعد يقنع حتى مواطنيها.
ترامب وغرينلاند… علامة على عالم ما بعد الغرب
ويشير الكاتب إلى أن التهديد الذي أطلقه دونالد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، وهي أرض تابعة لحليف داخل حلف شمال الأطلسي، لم يكن مجرد تصريح عابر أو زلة لسان سياسية، حتى وإن لم يُنفذ عسكريًا. بل كان بمثابة علامة فارقة على دخول العالم مرحلة جديدة مضطربة، هي مرحلة ما بعد الغرب، حيث لم تعد التحالفات التقليدية ولا القواعد الدولية تشكل خطوطًا حمراء واضحة.
هذا التهديد، في حد ذاته، كشف حجم التحول في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، وخصوصًا في ظل عودة ترامب إلى المشهد السياسي، بما يحمله من نزعة صدامية ترى أن العالم يُدار بالقوة والنفوذ، لا بالتوافق والمؤسسات.
استطلاع يكشف عمق التشاؤم الأوروبي
ولتأكيد هذا التحول، يستند آش إلى استطلاع رأي عام عالمي أُجري في نوفمبر الماضي في 21 دولة، لصالح المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، بالتعاون مع مشروع بحثي بعنوان “أوروبا في عالم متغير” في جامعة أكسفورد. وقد شارك آش في إعداد التقرير الكامل إلى جانب إيفان كراستيف ومارك ليونارد.
اقرأ أيضا: لافروف وروسماسون يحذران: جرينلاند أزمة تهز أوروبا والحلف الأطلسي
ويُعد هذا الاستطلاع الرابع ضمن سلسلة استطلاعات تُجرى سنويًا منذ اندلاع العملية العسكرية في أوكرانيا عام 2022، ما يسمح بتتبع تطور المزاج العام الدولي، وصولًا إلى ما يصفه الكاتب بوضع حرج تعيشه أوروبا اليوم.
تراجع الثقة بالولايات المتحدة كحليف
النتائج كانت لافتة. فقد أظهرت أن أقل من خمس سكان أوروبا القارية، وفق متوسط الدول العشر الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي شملها الاستطلاع، ينظرون إلى الولايات المتحدة كحليف. أما في بريطانيا، فلم تتجاوز النسبة الربع. ويعني ذلك أن الأوروبيين ما زالوا يرون في الولايات المتحدة شريكًا ضروريًا، لكنهم لم يعودوا يعتبرونها حليفًا يمكن الاعتماد عليه دون تحفظ.
هذا التغير في النظرة يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن العلاقة عبر الأطلسي لم تعد كما كانت، وأن المصالح قد تتباعد بشكل حاد في ظل سياسات أمريكية أكثر تقلبًا.
الغرب من منظور العالم… فكرة من الماضي
التحول لم يكن أوروبيًا فقط. ففي الاستطلاع الأول عام 2022، رأى 60% من المشاركين الصينيين أن النهجين الأمريكي والأوروبي متطابقان أو متشابهان، أي أن هناك “غربًا واحدًا”. أما اليوم، فقد تراجعت هذه النسبة إلى 43%، في حين باتت أغلبية واضحة ترى أن النهجين مختلفان، وأن الغرب لم يعد كتلة موحدة.
بالنسبة لكثيرين حول العالم، لم يعد الغرب واقعًا جيوسياسيًا فاعلًا، بل فكرة تنتمي إلى الماضي.
أخطاء الاستمرار في خطاب قديم
أمام هذا الواقع، يحذر آش من أسوأ خيار يمكن أن تتبناه أوروبا، وهو الاستمرار في التذمر بشأن “النظام الدولي القائم على القواعد” وكأنه ما زال موجودًا، مع تطبيق القانون الدولي بشكل انتقائي، كما في التعامل مع أوكرانيا دون غزة، ومواصلة سياسة الاسترضاء المتملقة تجاه ترامب.
هذا النهج، برأيه، لا يحمي أوروبا ولا يعيد لها نفوذها، بل يعمّق أزمتها الأخلاقية والسياسية.
الحاجة إلى نزعة دولية جديدة
ما تحتاجه أوروبا، وفق المقال، هو نزعة دولية جديدة تكون أسرع وأكثر مرونة وأكثر حزمًا. نزعة لا تقوم على استخدام القوة العسكرية، لكنها لا تتردد في استخدام النفوذ السياسي والاقتصادي بذكاء. نزعة لا تكتفي بالهياكل والتحالفات القائمة، بل تسعى إلى توسيع نطاق الشركاء بشكل عملي، من قضية إلى أخرى.
كما يدعو الكاتب إلى تقليل التركيز على القواعد والإجراءات، وزيادة التركيز على النتائج والتقدم، وهو ما يمثل تحديًا خاصًا للاتحاد الأوروبي بوصفه التجسيد الأوضح للنظام الدولي الليبرالي البطيء والمثقل بالبيروقراطية.
أوكرانيا كنموذج… وغرينلاند كسؤال مفتوح
يشير آش إلى أن أوروبا بدأت بالفعل اختبار هذا النهج الجديد في دعمها لأوكرانيا، من خلال تحالف بين الدول الراغبة والاتحاد الأوروبي نفسه. لكن السؤال المطروح الآن هو: ماذا عن غرينلاند؟
احترام الإرادة الديمقراطية كخط فاصل
يؤكد الكاتب أن أي تحرك أوروبي يجب أن يسترشد أولًا وأخيرًا بالحكومتين المنتخبتين في غرينلاند والدنمارك، باعتبار ذلك الفارق الجوهري بين الديمقراطيات الليبرالية والإمبرياليات السلطوية. وقد أعلنت الدنمارك، بدعم من بعض حلفائها الأوروبيين في الناتو، إرسال المزيد من القوات إلى غرينلاند، في خطوة تعكس القلق المتزايد.
كما عقد وزيرا خارجية غرينلاند والدنمارك اجتماعًا في واشنطن مع نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو، واتفقوا على تشكيل فريق عمل رفيع المستوى، رغم أن الخلاف الجوهري لا يزال قائمًا.
ترامب… تقلب متصاعد ومخاطر مفتوحة
جميع المؤشرات، بحسب المقال، تدل على أن ترامب قد يصبح أكثر تطرفًا وتقلبًا مع مرور الوقت، خاصة مع تفاقم مشاكله الداخلية، ما يجعل الرهان على تهدئته أو احتوائه خيارًا محفوفًا بالمخاطر.
زيارة رمزية برسالة استراتيجية
ويقترح آش، لتسليط الضوء على الالتزام الأوروبي، أن يقوم كل من المستشار الألماني فريدريش ميرز، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بزيارة غرينلاند برفقة رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن، ويفضل أن ينضم إليهم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، باعتبار كندا حليفًا في الناتو وجارًا مباشرًا لغرينلاند.
اقرأ أيضا: ترامب: غرينلاند أولوية أميركية وماكرون لا يهمني
ويرى أن هذه الزيارة، رغم رمزيتها، قد تكون بنفس أهمية الالتزامات الأمنية الفعلية، خصوصًا أن ترامب يجيد التواصل عبر الصور والتلفزيون، وسيفهم الرسالة من المشهد قبل البيان.
صورة تقول ما لا تقوله البيانات
وكما استطاع القادة الأوروبيون السفر بالقطار إلى كييف، يمكنهم السفر جوًا إلى نوك. وينبغي، بحسب الكاتب، نشر عدد من ضباط الاتصال الأوروبيين والكنديين بزيهم الرسمي في غرينلاند خلال الفترة المقبلة، لإيصال رسالة واضحة بأن أوروبا لم تخرج من التاريخ بعد، لكنها تقف أمام اختبار حقيقي لتعريف دورها في عالم ما بعد الغرب.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *