
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الصراع في غزة والضفة الغربية، تواجه إسرائيل تحديًا داخليًا غير مسبوق، إذ تتسع فجوة الخلاف بين الشارع الأميركي والإدارة الأميركية حول مستوى الدعم المالي والعسكري للكيان المحتل، وسط اتهامات متزايدة بمساهمتها في الجرائم الإنسانية المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين.
ويشير خبراء في السياسة الدولية إلى أن الحرب الأخيرة على غزة كشفت المستور، وفضحت دور “أيباك” في التأثير على القرار السياسي الأميركي، ما أدى إلى تآكل الثقة التقليدية بين الجمهور الأميركي وإسرائيل. وقد أصبح واضحًا أن إسرائيل، التي اعتادت على الدعم الواسع للولايات المتحدة لعقود، تواجه اليوم واقعًا معقدًا يتطلب إعادة تقييم استراتيجياتها الدبلوماسية والسياسية.
وفي مقال نشره عوفر يسرائيلي، الاستراتيجي والخبير في كلية عسقلان الأكاديمية، بصحيفة معاريف، أكد أن “الدعم الأميركي لإسرائيل، الذي كان ركيزة ثابتة لعقود، لم يعد مضمونًا كما كان، وأن السياسة الإسرائيلية الحالية حول غزة تحولت إلى نقطة تصدع في النقاش الداخلي الأميركي، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة التي كشفت الجوانب المظلمة من العمليات العسكرية”.
اقرأ أيضًا: الشارع الأميركي ينقسم حول دعم إسرائيل
وأوضح يسرائيلي أن إسرائيل تواجه اليوم نظامًا سياسيًا أميركيًا منقسمًا، حيث لم تعد هناك إجماع تقليدي حول دعمها، وإن كانت المساعدات الأمنية الأساسية لا تزال مستمرة، فإن مناقشات الكونغرس الحادة حول حزم الدعم الأخيرة تكشف عن انقسام غير مسبوق، ما يجعل اعتماد إسرائيل على الولاء الحزبي محدودًا ومخاطرة على المدى الطويل.
التحول الليبرالي الأميركي وتأثيره على إسرائيل
يقول الخبير إن الأوساط التقدمية في الولايات المتحدة شهدت تحولًا قيمياً مهمًا، فلم تعد إسرائيل تُنظر إليها كدولة ليبرالية تتعرض للهجوم، بل كطرف يتمتع بامتيازات في سياسات القمع، ما أثار استياء شرائح واسعة من الجمهور الأميركي. وأظهرت استطلاعات رأي أن نحو ثلثي الليبراليين يعتقدون أن واشنطن يجب أن تبقى على الحياد، دون الانحياز لأي طرف في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
الانقسام الحزبي وخطر الربط باليمين الأميركي
من جانب آخر، يوضح يسرائيلي أن الدعم القوي لإسرائيل لا يزال قائمًا ضمن صفوف اليمين المحافظ، لكنه يزداد قبلية وشخصية، ما يجعل الاعتماد عليه وحده مخاطرة استراتيجية. فالربط الحزبي الضيق يهدد استقرار الدعم التقليدي، وإذا ما تحولت النزعات الشعبوية إلى انعزالية مستقبلًا، فقد تتزعزع أسس الدعم الأميركي الطويل الأمد لإسرائيل.
استراتيجيات إسرائيل الجديدة
يشدد الخبير على ضرورة أن تكيف إسرائيل سياساتها مع الواقع الجديد في واشنطن، عبر تقليل الاعتماد على التحالفات قصيرة الأمد مع العناصر الشعبوية، وإعادة بناء علاقات مؤسسية متينة مع الوسط السياسي البراغماتي، وإظهار القيم الليبرالية المشتركة مثل التعددية، الحقوق المدنية، والابتكار. كما يجب عليها الحفاظ على حوار مع جميع ألوان الطيف السياسي الأميركي، خاصة الليبراليين المعتدلين، لضمان استمرار مكانتها كشريك استراتيجي للولايات المتحدة دون الوقوع في فخ الانقسام الداخلي.
وفي المحصلة، بات من الواضح أن إسرائيل لم تعد قادرة على التمسك بالسياسة التقليدية التي ربطتها باليمين الأميركي وحده، وأن نجاحها مستقبليًا يعتمد على قدرتها على التوازن بين الأمن والاستقرار السياسي الداخلي الأميركي، وتجاوز الانحيازات الحزبية التي قد تقوض مكانتها دوليًا.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *