الرئيسية/أخبار عالمية/سقوط النخبة في أوحال الرذيلة.. ماذا بعد فضائح إبستين؟
أخبار عالمية

سقوط النخبة في أوحال الرذيلة.. ماذا بعد فضائح إبستين؟

جيفري إبستين.. الوجه الخفي لإمبراطورية الفضائح
📸جيفري إبستين.. الوجه الخفي لإمبراطورية الفضائح
اليوم ميديا

ملفات إبستين أكبر من فضيحة إخلاقية، فهي تنزع من النظام العالمي القائم أي قيمة أخلاقية، وجاءت لتوثق عبر سجل قانوني وشهادات مدرجة في إفادات خطية وتسويات قضائية، عن نوعية النخبة التي تحكم العالم الغربي الذي يدعي الديمقراطية وحماية الحريات. تكشف ملفات إبستين الوجه الخاص لهذا النظام؛ وتكشف غزة وجهه العام.

ومعاً، يزيحان آخر الأوهام، ويكشفان قبح نخبة تلتهم الضعفاء بصمت في الداخل، وتدمرهم علناً في الخارج. لم يكن ذلك فشلاً في القيم؛ بل كان نتيجتها المنطقية.

ويقول تحليل في صحيفة ” ميدل إيست آي” البريطانية، لم يقع الاعتداء على القاصرين بوصفه خرقاً طارئاً لنظام أخلاقي قائم، بل جرى باعتباره عملية مُدارة، فقد استُقطبت الفتيات عبر هشاشتهن وفقرهن، ثم نُقلن ودُفع لهن المال وأُسكتن.

قيّم المحامون مستوى المخاطر، وأدارت المؤسسات سمعتها، وظلت المكانة محفوظة، فلم يُنكر الضرر، بل جرى تحويله إلى ممارسة روتينية.

تصف إحدى الناجيات، وهي فيرجينيا جوفري، كيف استُخدمت ثم جرى تمريرها إلى رجال آخرين. وتشرح ماريا فارمر أنها أدركت سريعاً أنها لا تعني شيئاً، وأن وجودها يقتصر على خدمة شهوات أشخاص لن يواجهوا أي تبعات. هذه ليست استعارات بل توصيفات إجرائية لكيفية تعامل السلطة مع من لا يملك القوة.

ومع ذلك، فإن مثل هذه الوقائع، على فظاعتها، لا ينبغي أن تصدمنا. فكيف يمكن لنخبة اعتادت ممارسة القتل في الخارج أن تلتزم فجأة بحدود أخلاقية في الداخل؟

انكشاف أخلاقي

لعقود، لم تكن الأدلة مخفية، بل كانت تُبث على الشاشات؛ ففي العراق، أسهمت العقوبات والحروب في وفاة مئات الآلاف من الأطفال، وهي حصيلة جرى الاعتراف بها ثم تبريرها باعتبارها ثمناً للسياسات. وقد سُوِّيت المدن بالأرض، وأُبيدت الحياة المدنية، ووُضِّحت الكارثة باعتبارها استراتيجية وأمناً ومصلحة وطنية.

وفي سجن أبو غريب، جُرِّد المعتقلون من ملابسهم، وتعرضوا لانتهاكات جنسية، وصُوِّروا، وسُخر منهم، وأُهينوا، وتحولت أجسادهم إلى أدوات للهيمنة، ووُثِّقت معاناتهم، ثم أثيرت فضيحة عابرة قبل أن تُمتص بهدوء.

وقُدِّم العنف بوصفه استثناءً محصوراً في صحارى بعيدة ومدن محتلة، وفي أجساد بنية وسجناء بلا أسماء. ولم يُقرأ باعتباره انكشافاً أخلاقياً، بل كزيادة تشغيلية مؤسفة مورست في الخارج.

إن الحقيقة التي طال تجاهلها في المجتمعات الغربية هي التالية: هناك نخبة مستعدة لتجويع الشعوب، وتسوية المدن، وممارسة التعذيب الجنسي بحق المعتقلين في الخارج، ولا تجد حرجاً في ممارسة الوحشية ضد من تعتبرهم أدنى شأناً في الداخل.

وكان الحد الفاصل بين الوحشية الخارجية والأخلاق الداخلية وهمًا دائمًا، وخرافة مريحة تغذيها المسافة والعنصرية والسرديات المهيمنة.

وما يُدار في الخارج عبر البيانات والرقابة والتعابير المحسوبة عن القلق، يُدار في الداخل عبر التسويات واتفاقيات عدم الإفصاح.

إن تدمير غزة على يد هذه النخبة نفسها ليس شذوذًا أخلاقيًّا، بل ينتمي إلى البنية ذاتها، وإلى التسلسل الهرمي نفسه لقيمة الإنسان، وإلى الافتراض ذاته بأن بعض الأرواح إنسانية بالكامل، فيما تُعد أرواح أخرى قابلة للتضحية؛ فهناك أطفال تعرّضوا للاعتداء في جزيرة خاصة في البحر الكاريبي، وهناك أطفال دُفنوا تحت الركام في غزة.

وهناك أطفال وُضعوا على متن طائرات مستأجرة لإشباع شهوات الأغنياء وأصحاب النفوذ، ونُقلوا بسرية وهدوء ليُستغلوا ويُساء إليهم دون محاسبة.

وهتاك أطفال قُتلوا بطائرات أُرسلت علناً وبشكل متكرر لخدمة المصالح الإستراتيجية للأقوياء، وقُصفوا من السماء وفقاً لإرادتهم، وتجاهلت الروايات موتهم أو قللت من شأنه أو بررته باعتباره ضرورة.

الاستحقاق والإفلات من العقاب

يتحرك الجناة بدافع الشعور نفسه الراسخ بالاستحقاق والإفلات من العقاب، وباعتقاد أنهم يمتلكون الحق في تقرير مصير الآخرين، وفي ممارسة الوحشية ضدهم إذا شاؤوا، سواء في فلوريدا أو في غزة.

هذه الطبقة نفسها تهيمن اليوم على رأس المال العالمي؛ فالأوليغارشيون في قطاع التكنولوجيا، والممولون، وتجار الحروب الذين يستنزفون الثروة في الداخل ويحققون الأرباح من الدمار في الخارج، كلهم يتحركون داخل المنظومة النخبوية نفسها التي صاغها إبستين.

قد تختلف الوجوه، لكن المنطق لم يتغير: استغلال هنا، وإبادة هناك، وربح في كل مكان.

ومن بين الشخصيات التي تنقلت بسهولة داخل عالم إبستين الخاص كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، الذي التقى إبستين مراراً بين عامي 2013 و2017، وأقام في مقر إقامته في نيويورك في عدة مناسبات.

وبحسب مراسلات أُبلغ عنها، نصح إبستين باراك بـ«إلقاء نظرة على شركة بالانتير»، وهي شركة كانت آنذاك تبرز لاعباً قوياً في مجال تحليل البيانات وأنظمة المراقبة وبرمجيات الاستخبارات.

وتكشف هذه الإشارة بوضوح أن عالم إبستين لم يكن مجرد مساحة للترف الشخصي، بل مفترق طرق التقت فيه نزوات النخبة مع منطق الاستخبارات وتكنولوجيا الحرب المتطورة.

اقرأ أيضا:

كلينتون اصطحب إبستين لحفل زفاف الملك المغربي محمد السادس.. كيف حدث ذلك؟

وتمثل شركة بالانتير تكنولوجيز نموذجاً لذلك، وهي شركة برمجيات استخباراتية صُممت أدواتها لخدمة دول المراقبة وساحات المعارك الحديثة.

ومنذ أكتوبر 2023، عمّقت بالانتير شراكة وثيقة ومعلنة ذات طابع أيديولوجي مع الحكومة والجيش الإسرائيليين، مقدّمةً تقنيتها بوصفها عنصراً لا غنى عنه في حروب العصر القائمة على الذكاء الاصطناعي.

وفي يناير 2024، أعلنت الشركة اتفاقاً استراتيجياً مع وزارة الدفاع الإسرائيلية لدعم العمليات العسكرية الجارية، حيث سافر كبار التنفيذيين إلى إسرائيل لإضفاء الطابع الرسمي على الشراكة.

وتدمج منصات بالانتير — «غوثام» و«فاوندري» ومنصة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها — بين الاستخبارات والخدمات اللوجستية والاستهداف ضمن ما تسميه العقيدة العسكرية اليوم «سلسلة القتل الرقمية»؛ حيث يتقلص الحكم البشري، وتُؤتمت الترددات الأخلاقية، ويتحول العنف إلى سير عمل. لم تعد المسافة حاجزاً، بل أصبحت ميزة.

وهذا التوافق ليس تقنياً فحسب، بل أيديولوجياً أيضاً؛ فقد صوّر الرئيس التنفيذي لشركة بالانتير، أليكس كارب، دعم إسرائيل علناً باعتباره واجباً حضارياً؛ فالحرب لا تُخدم فقط، بل يُمنح لها أيضاً غطاء فلسفي.

إن هذه اللغة هي نفسها التي كانت تبرر الإساءة الخاصة وتحميها تحت ذريعة الضرورة والإعفاء الأخلاقي، قد باتت اليوم تشرعن الدمار العام، لكن هذه المرة مشفرة داخل البرمجيات.

إن ما صاغه إبستين اجتماعياً من وصول وحماية وتواطؤ متبادل، تقوم شركات مثل بالانتير اليوم بتشغيله تكنولوجيًّا؛ فلم يعد احتقار الحياة الإنسانية مجرد موقف شخصي، بل أصبح مؤسسياً وتعاقدياً وقابلاً للبرمجة.

تبرير العنف

حين يُغرس العنف بهذا العمق — في البرمجيات والسياسات والأرباح — لا يعود بحاجة إلى تمويه؛ حيث يمكن التصريح به علناً، بل والتباهي به، بوصفه مبدأً.

«القوة تصنع الحق»، كما عبّر مستشار الأمن القومي للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيفن ميلر، بوضوح غير متحفظ؛ هذه تلك هي القاعدة الأخلاقية الحاكمة: في غزة، وفي فنزويلا، أو خلف الأبواب المغلقة في فلوريدا.

هذه النخبة ليست قوية فحسب، بل تشكّلت على إحساس راسخ بالتفوق الاستثنائي: من الاستحقاق والامتياز والحصانة؛ إنها تعيش في عالم مغلق من المكانة والحماية، حيث القواعد تُفرض على الآخرين، والعواقب قابلة للتفاوض.

ولهذا السبب تحديداً انجذب كثيرون من هذه الطبقة إلى إبستين، وسقطوا بسهولة في شباكه.

لم يكن عرضه الحقيقي المتعة وحدها، بل التأكيد على أن النظام الأخلاقي السائد لا ينطبق عليهم، ولم تكن تجمعاته مجرد حفلات، بل كانت اختبارات قبول، وكانت طائراته الخاصة وقصوره المعزولة تؤدي وظيفة طقوس الانتماء.

أن يُرحَّب بك في فلكه كان يعني الحصول على شارة انضمام، والدخول إلى دائرة داخلية لا تنطبق فيها العواقب.

لم يستغل إبستين انحطاط النخبة فحسب، بل حوّله إلى أداة؛ حيث ترجم الاستحقاق إلى نفوذ، والإفراط إلى نقطة ضعف، والامتياز إلى فخ.

إن الجاذبية الطاغية للتميّز الحصري تفسّر إلى حد كبير نجاح إبستين، فما جذب أصحاب النفوذ إلى فلكه لم يكن الرذيلة وحدها، ولا حتى تطبيع التجاوز، بل إغراء المكانة والوصول، ووعد الانتماء إلى عالم يتجاوز الرقابة والمساءلة.

لقد فهم إبستين أن المكانة بالنسبة للأقوياء الحقيقيين أكثر إسكاراً من المتعة، ومن خلال تقديم نفسه بوصفه حارس البوابة، حوّل الانغماس إلى طقس قبول، والإفراط إلى شرط تأهيل.

لم يقع الأقوياء في شبكة إبستين فحسب، بل أصبحوا رهائن لها، فما اعتقدوه ملعباً محرّماً كان في الواقع جهازاً استخبارياً، يحوّل الإفراط إلى دليل، والتجاوز إلى هشاشة دائمة.

نتيجة منطقية

ومن المفارقة الساخرة والفجة أن هذه النخبة نفسها تقدم نفسها بوصفها المعيار العالمي للتنوير والأخلاق: ذروة الحضارة وحَكَم العالم.

لم تكن غزة انحرافاً عن قيم النخبة التي أشرفت على تدميرها، بل كانت ذروتها؛ لقد كانت اللحظة التي مارست فيها طبقة اعتادت استخدام السلطة بلا قيود تلك السلطة على مرأى من عالم مذهول يراقب.

"
ملفات إبستين أكبر من فضيحة إخلاقية، فهي تنزع من النظام العالمي القائم أي قيمة أخلاقية، وجاءت لتوثق عبر سجل قانوني وشهادات مدرجة في إفادات خطية وتسويات قضائية، عن نوعية النخبة التي تحكم العالم الغربي الذي يدعي الديمقراطية وحماية الحريات. تكشف ملفات إبستين الوجه الخاص لهذا النظام؛ وتكشف غزة وجهه العام. ومعاً، يزيحان آخر الأوهام، ويكشفان
— اليوم ميديا / أخبار عالمية

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جندي أوكراني يجهز طائرة مسيرة لإطلاقها باتجاه القوات الروسية قرب خط المواجهة في منطقة دونيتسك

موسكو تحت هجوم المسيّرات.. ضربة قياسية تضرب النفط في يوم الانتخابات

تعرضت موسكو ومحيطها لهجوم واسع بالطائرات المسيّرة خلال الليل، وصفه رئيس بلدية العاصمة سيرغي سوبيانين بأنه الأكبر من نوعه على موسكو حتى الآن، في تصعيد جديد ينقل حرب المسيّرات الروسية-الأوكرانية إلى عمق الأراضي الروسية، بالتزامن مع اليوم الثالث والأخير من الانتخابات البرلمانية في روسيا. وقالت السلطات الروسية إن أكثر من ألف مسيّرة استهدفت مناطق مختلفة

لندن - اليوم ميديا
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الصين تدخل على خط أزمة هرمز

الصين تدخل على خط هرمز.. ماذا تريد من واشنطن وطهران؟

دخلت الصين بصورة أكثر وضوحًا على خط الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي واشنطن وطهران إلى ضبط النفس والعودة إلى المسار الدبلوماسي، مطالبًا باتخاذ إجراءات عاجلة لإعادة فتح مضيق هرمز وضمان سلامة حركة الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وجاءت تصريحات وانغ خلال لقائه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بكين،

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
ترامب وشي.. تايوان تعود إلى قلب الحسابات الأمريكية الصينية

ترامب وشي أمام عقدة تايوان.. ماذا تخشى آسيا؟

قبل أيام من القمة المرتقبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، تعود تايوان إلى قلب الحسابات بين واشنطن وبكين، بعدما أثار احتمال استخدام ملف الجزيرة في المفاوضات الأمريكية الصينية قلقًا متزايدًا لدى حلفاء الولايات المتحدة في آسيا، في وقت تتداخل فيه قضية تايوان مع التجارة والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والأمن الإقليمي.

لندن - اليوم ميديا
الخميس، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الساحل اليمني المطل على باب المندب، أحد أهم ممرات الملاحة العالمية.

الحوثيون يقتربون من باب المندب.. هل تتعرض طرق التجارة للخطر؟

لم تعد التطورات على الساحل الغربي لليمن مجرد جولة جديدة في الحرب اليمنية، بعدما وصلت قوات الحوثيين إلى جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون، الواقعة في قلب مضيق باب المندب، بالتزامن مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وإغلاق السعودية مؤقتًا خط أنابيب شرق-غرب بعد تعرضه لهجوم بطائرة مسيرة. وتشير التطورات إلى معادلة أكثر تعقيدًا

لندن - اليوم ميديا
الأحد، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة