الرئيسية/التحليلات/3 هواجس تقضّ مضاجع نتنياهو: ماذا يحمل في زيارته العاجلة إلى البيت الأبيض؟
التحليلات

3 هواجس تقضّ مضاجع نتنياهو: ماذا يحمل في زيارته العاجلة إلى البيت الأبيض؟

نتنياهو يتحدث عن المرحلة المقبلة في غزة
📸نتنياهو يتحدث عن المرحلة المقبلة في غزة
اليوم ميديا

لم يكن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتقديم موعد زيارته إلى واشنطن خطوة بروتوكولية عابرة، ولا تعديلًا تقنيًا في جدول مزدحم، بل بدا – في توقيته وسياقه – تعبيرًا صريحًا عن قلق متصاعد داخل أروقة الحكم في تل أبيب، قلقٍ فرضته تطورات إقليمية متسارعة، في مقدمتها انطلاق مسار تفاوضي أميركي–إيراني قد يعيد رسم معادلات حساسة في الشرق الأوسط.

فمساء السبت 7 فبراير، أعلن مكتب نتنياهو أن رئيس الحكومة سيتوجه إلى العاصمة الأميركية يوم الأربعاء 11 من الشهر الجاري، للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد أن كان مقررًا أن تتم الزيارة في النصف الثاني من فبراير، على هامش المؤتمر السنوي للوبي الإسرائيلي–الأميركي (إيباك)، والاجتماع الأول لما يُعرف بـ«مجلس السلام» المعني بملف غزة. غير أن الطلب الإسرائيلي بتقديم الموعد أسبوعًا كاملًا منح الزيارة طابعًا عاجلًا، يوحي بأن ما يجري خلف الكواليس يتجاوز حسابات التنظيم إلى اعتبارات سياسية وأمنية ضاغطة.

استعجال غير مألوف

التبكير المفاجئ للزيارة لم يُقرأ في الأوساط الإسرائيلية بوصفه مجرد تفاعل مع أجندة البيت الأبيض، بل كخطوة استباقية تهدف إلى إيصال رسائل مباشرة إلى الإدارة الأميركية، في لحظة ترى فيها تل أبيب أن مسار التفاوض مع إيران قد ينزلق بعيدًا عن تصوراتها ومطالبها الأمنية.

وقبيل المغادرة، يخطط نتنياهو لعقد سلسلة لقاءات مكثفة مع قادة أحزاب الائتلاف الحاكم، إضافة إلى جلسة خاصة للمجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت)، في محاولة لصياغة موقف موحد، وتحديد سقف الرسائل التي سيحملها إلى واشنطن. فاللقاء المرتقب مع ترامب يُعد السابع بين الرجلين منذ عودة الأخير إلى البيت الأبيض في يناير 2025، لكنه يأتي هذه المرة في ظل بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا وحساسية.

جولة مسقط… تفاؤل أميركي وحدود إيرانية

الشرارة الأساسية لهذا القلق الإسرائيلي تعود إلى الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية–الإيرانية التي عُقدت في العاصمة العُمانية مسقط، يوم الجمعة 6 فبراير. فقد خيّمت أجواء إيجابية على التصريحات الصادرة عن الجانبين، حيث وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجولة بأنها «إيجابية»، مؤكدًا أن واشنطن لا تعمل تحت ضغط زمني، لكنها في الوقت ذاته ترفض بشكل قاطع امتلاك إيران سلاحًا نوويًا.

في المقابل، حرصت طهران على ضبط سقف التوقعات. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شدد، في تصريحات أعقبت الجولة، على أن المفاوضات تقتصر حصريًا على الملف النووي، وأن أي حديث عن برامج أخرى، وعلى رأسها الصواريخ الباليستية، يخرج عن إطار التفاوض. وأكد أن حق إيران في تخصيب اليورانيوم «غير قابل للتنازل»، حتى لو فُرضت الحرب، مع إبداء استعداد لمناقشة ترتيبات تقنية تتعلق بمستويات التخصيب بما يراعي الاحتياجات السلمية، دون إخراج اليورانيوم المخصب من البلاد.

هذا التباين بين التفاؤل الأميركي والانضباط الإيراني في رسم الخطوط الحمراء، أثار في تل أبيب مخاوف من أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق يركّز على جوهر الملف النووي، من دون التطرق الجدي إلى ما تعتبره إسرائيل مصادر تهديد أوسع.

الهواجس الإسرائيلية الثلاثة

صحيفة «إسرائيل هيوم» اليمينية لخّصت المزاج السائد داخل دوائر صنع القرار في تل أبيب بثلاثة هواجس مركزية تقضّ مضاجع الحكومة الإسرائيلية.

الهاجس الأول يتمثل في ما تصفه الصحيفة بـ«البراغماتية المفرطة» لدى ترامب. فإسرائيل تخشى أن يسعى الرئيس الأميركي إلى تحقيق إنجاز سياسي سريع يُسوَّق داخليًا، عبر صفقة تركز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع ترحيل ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني إلى مراحل لاحقة، أو تجاهلها كليًا. مثل هذا السيناريو، من وجهة نظر تل أبيب، لا يرقى إلى مستوى «الاتفاق الشامل»، بل يمثل «نصف اتفاق» يترك جوهر التهديد قائمًا.

الهاجس الثاني يرتبط بإمكانية تخفيف العقوبات الأميركية عن إيران مقابل خطوات محدودة أو قابلة للالتفاف. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية ترى أن أي انفراجة اقتصادية ستمنح طهران متنفسًا ماليًا، يُمكّنها من تعزيز نفوذها الإقليمي، ودعم حلفائها في المنطقة، بدل أن يؤدي إلى تقليص قدراتها.

أما الهاجس الثالث، وربما الأكثر عمقًا، فيتعلق باحتمال أن يقود أي تفاهم – حتى وإن كان منقوصًا – إلى تقليص الحضور العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. وتخشى إسرائيل أن تجد نفسها، في هذه الحالة، أمام منظومة إيرانية متنامية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، من دون مظلة ردع أميركية كافية.

ماذا يريد نتنياهو من واشنطن؟

في ضوء هذه الهواجس، يبدو أن نتنياهو يسعى من خلال زيارته العاجلة إلى التأثير المبكر في مسار المفاوضات، قبل أن تدخل مراحل أكثر تقدمًا. وتشير التقديرات إلى أنه سيضغط باتجاه إدراج شروط مشددة في أي تفاهم محتمل، تشمل كبح برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ووقف دعم طهران لما يُعرف بمحور المقاومة، ومنع أي صيغة قد تُفسَّر في إسرائيل على أنها تساهل مع البنية النووية الإيرانية.

كما يُنتظر أن يعمل نتنياهو على تعبئة اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، مستفيدًا من اقتراب موعد مؤتمر «إيباك»، لحثه على ممارسة ضغط موازٍ على البيت الأبيض، بهدف منع الانزلاق نحو حلول وسط لا تلبي المطالب الإسرائيلية.

ولا يقتصر جدول أعمال الزيارة على الملف الإيراني وحده؛ إذ تحضر أيضًا تطورات غزة ولبنان، حيث يسعى نتنياهو إلى التأثير في ملامح الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، بما يضمن – قدر الإمكان – بقاء المقاربات المطروحة ضمن الإطار الذي تريده تل أبيب، في لحظة إقليمية تتكثف فيها محاولات إعادة رسم التوازنات.

التفاوض تحت وطأة التهديد

بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، لم تغب لغة القوة. فقد أجرى المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر زيارة خاطفة إلى حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» المتمركزة في البحر المتوسط، في خطوة فُسرت على أنها رسالة ردع مباشرة لطهران.

الرسالة لم تمر مرور الكرام. فقد حذّر رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، عبد الرحيم موسوي، من أن أي محاولة لفرض الحرب على إيران لن تفضي إلى هزيمة الطرف المعتدي فحسب، بل ستؤدي إلى توسيع نطاق الصراع في المنطقة بأسرها، مخلّفة خسائر جسيمة.

في هذا السياق، تُقرأ زيارة نتنياهو العاجلة، بتوقيتها غير المألوف، كتحرك استباقي لرسم خطوط حمراء أمام ترامب، قبل أن تتجه المفاوضات إلى مراحل أكثر حساسية. فنتنياهو لا يكتفي بمتابعة نتائج الدبلوماسية، بل يسعى إلى توجيه مسارها منذ البداية، خشية أن تقود براغماتية ترامب ورغبته في تحقيق إنجاز سياسي سريع إلى اتفاق لا يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية ولا يخفف من هواجسها الأمنية.

وفي النهاية، تبقى الساحة مفتوحة على جميع الاحتمالات. فالأجواء الإيجابية لجولة مسقط لا تشكل ضمانة لاستمرار المسار ذاته، في ظل ضغوط إسرائيلية متوقعة على البيت الأبيض، ما يجعل المنطقة بأسرها على أعتاب مرحلة تفاوضية دقيقة، قد تعيد رسم موازين القوى… أو تشعل فصولًا جديدة من التوتر دون مقدمات.

"
لم يكن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتقديم موعد زيارته إلى واشنطن خطوة بروتوكولية عابرة، ولا تعديلًا تقنيًا في جدول مزدحم، بل بدا – في توقيته وسياقه – تعبيرًا صريحًا عن قلق متصاعد داخل أروقة الحكم في تل أبيب، قلقٍ فرضته تطورات إقليمية متسارعة، في مقدمتها انطلاق مسار تفاوضي أميركي–إيراني قد يعيد رسم معادلات
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة