
في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع دهاليز السياسة، بدا المشهد في الشرق الأوسط وكأنه يُعاد تشكيله على طاولة واحدة: طاولة تجمع واشنطن وتل أبيب، وتضع إيران في قلب المعادلة، بينما تتسلّل إلى الخلفية قضية داخلية تهدد مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي.
ففي تصريحاتٍ حملت نبرة حذرة ممزوجة بالأمل، أعرب بنيامين نتنياهو عن اعتقاده أن تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد تخلق «الظروف المناسبة» للتوصل إلى اتفاق مع إيران، اتفاقٍ لا يقتصر على النووي فحسب، بل يمتد — من وجهة نظر إسرائيل — ليشمل الصواريخ الباليستية وشبكات النفوذ الإقليمي، بحسب رويترز.
لقاء مغلق… ورسائل تتجاوز العلن
الاجتماع الذي عُقد بعيداً عن الإعلام، واستمر أكثر من ساعتين ونصف، لم يكن بروتوكولياً بقدر ما كان جلسة تقييم إستراتيجي لمرحلة شديدة الحساسية.
نتنياهو قال إنه عرض «شكوكاً عامة» أمام ترامب، مؤكداً أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يتضمن ضمانات تمسّ ما تعتبره إسرائيل تهديدات وجودية.
المحادثات جاءت بعد جولة تفاوض أمريكية–إيرانية استضافتها سلطنة عُمان، في مؤشر إلى عودة المسار الدبلوماسي غير المباشر، ولو بحذر شديد.
ورغم وصف ترامب اللقاء بأنه «جيد للغاية»، فإنه شدّد على أن أي قرارات حاسمة لم تُتخذ بعد، في محاولة لترك مساحة للمفاوضات دون التزام مسبق.
بين التهديد العسكري وفرصة التسوية
التصريحات الأمريكية الأخيرة أعادت التذكير بعصا الضغط إلى جانب جزرة التفاوض.
ترامب لوّح بإمكانية توجيه ضربات لإيران إذا فشلت المساعي السياسية، بينما أبدت طهران استعداداً لمناقشة قيود على برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات — مع رفض واضح لإدراج برنامج الصواريخ ضمن التفاوض.
نتنياهو يرى أن «الإيرانيين تعلموا الدرس»، في إشارة إلى التصعيد العسكري السابق الذي بلغ ذروته بضربات أمريكية استهدفت مواقع نووية، وهو تصعيد غذّى المخاوف من حرب إقليمية شاملة.
غزة حاضرة… ولكن في الظل
ورغم أن الملف الإيراني تصدّر المشهد، فإن المناقشات تناولت أيضاً الوضع في غزة، حيث لا يزال وقف إطلاق النار مع حركة حماس هشّاً، إضافة إلى قضايا إقليمية أوسع تعكس ترابط ساحات التوتر في المنطقة.
مفارقة لافتة: دعم سياسي يتجاوز السياسة الخارجية
وبينما كان الحديث يدور حول الأمن الإقليمي، فجّر ترامب مفاجأة سياسية بتجديد دعوته إلى منح نتنياهو عفواً في قضايا الفساد التي يواجهها منذ عام 2019، معتبراً أن محاكمته «أمر مخزٍ» بحق زعيم قاد بلاده في زمن الحرب.
العفو — وفق القانون الإسرائيلي — من صلاحيات الرئيس إسحق هرتسوج، لكن لا سابقة قانونية لإصداره أثناء المحاكمة، ما يجعل المسألة شديدة التعقيد قانونياً وسياسياً.
مكتب هرتسوج ردّ بالتأكيد أن إسرائيل «دولة يحكمها القانون»، وأن أي قرار لم يُتخذ بعد، وأن المسألة ما زالت قيد الدراسة القانونية.
تحالف يتجاوز اللحظة… أم تقاطع مصالح مؤقت؟
اللافت أن هذا اللقاء هو السابع بين الرجلين منذ عودة ترامب إلى السلطة، ما يعكس مستوى تنسيق غير مسبوق.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يسعى للتأثير على شكل أي اتفاق محتمل قبل أن تتبلور ملامحه، بينما يجد ترامب في العلاقة الوثيقة مع إسرائيل ركيزة لإعادة رسم حضوره في ملفات الشرق الأوسط.
الاجتماعات جرت بين واشنطن والقدس، وسط متابعة دولية حثيثة نقلت تفاصيلها رويترز، في وقتٍ تبدو فيه المنطقة على حافة تحوّل جديد: إما اتفاق يخفف حدة الصراع… أو جولة تصعيد تعيد خلط الأوراق بالكامل.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *