الرئيسية/التحليلات/سباق النفوذ بين الرياض وأبوظبي يغيّر خريطة الشرق الأوسط
التحليلات

سباق النفوذ بين الرياض وأبوظبي يغيّر خريطة الشرق الأوسط

الشيخ محمد بن زايد والأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
📸الشيخ محمد بن زايد والأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي
اليوم ميديا

في ظاهر المشهد الخليجي تبدو التوازنات مستقرة؛ تحالفات قائمة، واقتصادات صاعدة، وتنسيق أمني لا يزال يعمل تحت مظلة واحدة. لكن خلف هذا الهدوء النسبي، تتشكل دينامية جديدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دينامية لا تقوم على القطيعة ولا على التحالف الكامل، بل على ما يسميه بعض المراقبين «المنافسة المُدارة»، وهي حالة وسطى تعيد رسم ملامح الإقليم بهدوء ولكن بعمق.

وفقًا لتقرير نشره موقع ناشونال إنترست، في وقت ينشغل فيه المحللون باحتمالات التصعيد بين واشنطن وإيران، وبانعكاسات أي مواجهة محتملة على أمن الخليج وأسواق الطاقة، تتصاعد في الخلفية أزمة مختلفة في طبيعتها. فهي لا تحمل ملامح صراع عسكري مباشر، لكنها تملك القدرة على زعزعة التوازنات الاقتصادية والسياسية في منطقة تُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، كما تمس بشكل مباشر حسابات الولايات المتحدة الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

حتى وقت قريب، كان يُنظر إلى الرياض وأبوظبي باعتبارهما قطبي محور خليجي متماسك يعمل بتنسيق وثيق لاحتواء النفوذ الإيراني، وضبط إيقاع أسواق النفط، والتعامل مع تداعيات ما بعد الربيع العربي. ومع صعود محمد بن سلمان في السعودية، وترسخ نفوذ محمد بن زايد في الإمارات، بدا أن البلدين يتجهان نحو صياغة رؤية مشتركة تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة. وقد تجلى هذا التقارب في مواقفهما المتقاربة من ملفات عديدة، من الحرب في اليمن إلى معارضتهما للحركات الإسلامية السياسية.

غير أن هذا التوافق الظاهري كان يخفي خلفه مسارين وطنيين طموحين يسيران بالتوازي، لكن ليس بالضرورة في الاتجاه نفسه. فقد أطلقت السعودية «رؤية 2030» كمشروع شامل لإعادة هيكلة اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط وتحويل الرياض إلى مركز استثماري عالمي، بينما واصلت الإمارات ترسيخ نموذجها القائم على الانفتاح التجاري والخدمات اللوجستية والمالية، مستندة إلى خبرة تراكمت على مدى عقود، خصوصًا في دبي وأبوظبي. في البداية بدت الرؤيتان متكاملتين، لكن مع مرور الوقت تحولت المساحات المشتركة إلى ساحات تنافس مباشر على الاستثمارات والمقار الإقليمية للشركات العالمية وحركة الطيران وسلاسل الإمداد.

بحلول مطلع العقد الحالي، لم يعد التنافس اقتصاديًا صامتًا، بل بدأ يظهر في سياسات واضحة. فقرار الرياض اشتراط نقل الشركات الأجنبية مقارها الإقليمية إلى داخل المملكة للحصول على العقود الحكومية فُهم على نطاق واسع باعتباره تحديًا مباشرًا لدور دبي كمركز أعمال أول في المنطقة. ومع إطلاق مشاريع طيران عملاقة وتوسيع المطارات السعودية، بدا أن المنافسة امتدت إلى قطاع ظل لعقود أحد أعمدة القوة الناعمة الإماراتية.

ولم يقتصر التباين على الاقتصاد. ففي الملف اليمني، الذي كان يومًا عنوان التنسيق العسكري بين البلدين، بدأت الأولويات تتباعد تدريجيًا. ركزت السعودية على حماية حدودها ومنع ترسخ تهديدات الحوثيين، بينما أولت الإمارات اهتمامًا خاصًا بتأمين الممرات البحرية وبناء شبكات نفوذ محلية جنوبًا وعلى السواحل. ومع مرور الوقت، نشأت هياكل نفوذ متوازية أحيانًا ومتصادمة أحيانًا أخرى، ما كشف حدود الرؤية المشتركة التي حكمت تدخلهما الأول.

وتتكرر مظاهر التباين في ساحات أخرى. فقد نسجت أبوظبي علاقات علنية ومتقدمة مع إسرائيل على المستويات الاقتصادية والتكنولوجية، بينما تواصل الرياض اتباع مقاربة أكثر حذرًا، تربط أي انفتاح رسمي بتقدم ملموس في مسار القضية الفلسطينية، انطلاقًا من حسابات تتعلق بمكانتها الدينية والسياسية في العالمين العربي والإسلامي.

كما يظهر الاختلاف في التعاطي مع أزمات القرن الأفريقي والبحر الأحمر والسودان، حيث تميل كل دولة إلى بناء شبكات شراكة مختلفة تعكس أولوياتها الاستراتيجية الخاصة، سواء عبر دعم الحكومات المركزية أو التعامل مع فاعلين محليين يملكون نفوذًا ميدانيًا مباشرًا. هذا التباين يعكس فلسفتين مختلفتين في إدارة النفوذ الإقليمي، إحداهما تركز على ثقل الدولة، والأخرى على مرونة الشبكات الاقتصادية والأمنية.

ورغم أن الدولتين تشتركان في القلق من صعود الحركات الإسلامية، وفي الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية، فإن طموح كل منهما لقيادة المشهد الخليجي يجعل التنافس بينهما شبه حتمي. فالعلاقة لم تعد علاقة تابع وموجّه كما تصورها البعض في السنوات الأولى، بل باتت علاقة بين قوتين واثقتين تسعيان إلى تثبيت مكانتهما كقائدين لنموذجين مختلفين في التنمية والنفوذ.

ومع ذلك، لا يبدو أن أيًا من الطرفين يرغب في دفع هذا التنافس إلى مواجهة مفتوحة. فالتشابك الاقتصادي عميق، والتحديات الأمنية مشتركة، واستقرار مجلس التعاون يظل مصلحة حيوية للطرفين. لذا تستمر العلاقة في هذا الشكل المركب: تعاون عند الضرورة، وتنافس حيث تسمح المصالح، وحرص متبادل على إبقاء الخلاف تحت سقف يمكن التحكم به.

لكن هذا التوازن الدقيق يظل قابلًا للاهتزاز، خصوصًا في ظل أزمات إقليمية قابلة للاشتعال مثل اليمن أو التوترات البحرية أو التحولات في أسواق الطاقة. وإذا ما خرجت المنافسة عن إطارها المُدار، فإن تداعياتها لن تقتصر على الخليج وحده، بل ستمتد إلى بنية النظام الإقليمي بأكمله، في لحظة يشهد فيها الشرق الأوسط أصلًا إعادة تشكل عميقة في موازين القوة.

"
في ظاهر المشهد الخليجي تبدو التوازنات مستقرة؛ تحالفات قائمة، واقتصادات صاعدة، وتنسيق أمني لا يزال يعمل تحت مظلة واحدة. لكن خلف هذا الهدوء النسبي، تتشكل دينامية جديدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، دينامية لا تقوم على القطيعة ولا على التحالف الكامل، بل على ما يسميه بعض المراقبين «المنافسة المُدارة»، وهي حالة وسطى تعيد
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة