الرئيسية/التحليلات/هل تحوّلت سراييفو يومًا إلى “رحلات صيد بشرية”؟
التحليلات

هل تحوّلت سراييفو يومًا إلى “رحلات صيد بشرية”؟

شارع مكشوف في سراييفو… حين كان العبور اختبارًا للحياة
📸شارع مكشوف في سراييفو… حين كان العبور اختبارًا للحياة
اليوم ميديا

في الحروب، كثيرًا ما تختلط الروايات بالذاكرة، ويصعب التمييز بين ما هو موثّق وما يبقى عالقًا في شهادات من عاشوا الجحيم. لكن بعض القصص تظل قادرة على إثارة الصدمة حتى بعد مرور عقود، لأنها لا تتحدث فقط عن المعارك، بل عن الجانب الأكثر قتامة في الطبيعة البشرية. هكذا تعود إلى الواجهة روايات مرتبطة بحصار سراييفو خلال حرب البوسنة والهرسك في التسعينيات، حين تحولت المدينة إلى ساحة استهداف يومي بالقنص، وسط اتهامات بأن بعض القناصين لم يكونوا مجرد مقاتلين، بل زوارًا أجانب دفعوا المال مقابل إطلاق النار على المدنيين.

تقرير نشرته صحيفة ذا تايمز أعاد إحياء ما عُرف لسنوات باسم “سفاري سراييفو”، وهو مصطلح مثير للجدل استُخدم لوصف مزاعم عن قدوم أثرياء أجانب إلى التلال المطلة على المدينة المحاصرة في أوائل التسعينيات، حيث كانت القوات الصربية البوسنية تطبق حصارًا دام نحو أربع سنوات وأوقع آلاف القتلى بين السكان.

أحد أبرز من تحدثوا عن تلك المرحلة هو ألكسندر ليكانين، الذي قال إنه شهد هذه الوقائع بنفسه عندما كان متطوعًا في وحدة دبابات صربية بوسنية. يتذكر الرجل، الذي تجاوز اليوم الستين، كيف كان بعض هؤلاء الزوار يقضون نهارهم في مواقع القنص، ثم يعودون ليلًا إلى السهر والاحتفال حتى الفجر، في مشهد يصفه بأنه كان صادمًا حتى لمن اعتاد أجواء الحرب.


(مدنيون يعبرون شارعًا مفتوحًا في سراييفو خلال حصار التسعينيات، حيث تحوّلت الأزقة والطرقات إلى ساحات قنص، وأصبح المرور اليومي فعلَ نجاةٍ في مدينة وُضِعَ سكّانها في مرمى “الصيد البشري”)

وفق روايته، كان بين هؤلاء رجال ونساء من دول أوروبية عدة، بينهم إيطاليون وألمان وبريطانيون، وكانوا — بحسب ما قيل له — يدفعون مبالغ كبيرة لقاء استخدام مواقع القنص. وتحدثت تقارير عن مبالغ وصلت إلى عشرات آلاف الجنيهات الإسترلينية مقابل ما سُمّي “تجربة القنص”، بل وادّعت بعض الشهادات أن مبالغ إضافية كانت تُدفع مقابل استهداف فئات بعينها من الضحايا، وهي ادعاءات تبقى محل تحقيق ونقاش قانوني وتاريخي حتى اليوم.

ليكانين وافق مؤخرًا على الإدلاء بما يعرفه أمام محققين، بالتزامن مع تحقيقات قضائية في إيطاليا تبحث في احتمال تورط مواطنين إيطاليين. وقد استُجوب بالفعل رجل مسن في مدينة بوردينوني، فيما يُنتظر استجواب آخرين، بينما ينفي المشتبه بهم أي علاقة لهم بهذه الاتهامات.


(شارع مكشوف تحت القنص)

خلال الحرب، تمركزت وحدة ليكانين في مواقع مرتفعة، بينها مناطق مطلة على العاصمة، حيث كانت تعمل إلى جانب تشكيلات مسلحة أخرى. ويذكر أن قائده آنذاك كان سلوبودان تودوروفيتش، وهو ضابط سابق في الجيش اليوغوسلافي، وأنهم تقاسموا بعض المواقع مع ميليشيا يقودها سلافكو أليكسيتش، التي اتُهمت لاحقًا باستضافة القناصين الأجانب.

تلك المواقع، بحسب شهادته، كانت تشرف مباشرة على الأحياء المدنية، ما جعل أي حركة في الشوارع مكشوفة بالكامل. ويقول إن القناصين كانوا يختارون أهدافهم بأنفسهم في كثير من الأحيان، بينما كانت الوحدات النظامية تتلقى إحداثيات محددة من القيادات العسكرية. ويصف الأجواء التي أعقبت عمليات القنص بأنها كانت أقرب إلى احتفالات مغلقة، حيث تُخلى بعض المقاهي ليجتمع فيها هؤلاء الزوار بعيدًا عن بقية المقاتلين.

شهادات أخرى دعمت جزئيًا هذه الروايات. فقد قال زلاتكو ميليتيتش، الذي كان مسؤولًا أمنيًا في سراييفو خلال الحرب ويشغل اليوم منصبًا برلمانيًا، إن قواته رصدت وجود قناصة أجانب، بينهم امرأة يُعتقد أنها قتلت عددًا من المدنيين، مشيرًا إلى أن بعضهم كان يتحصن داخل مواقع محصنة يصعب استهدافها.


(العبور تحت القنص: شارع يتحوّل إلى اختبارٍ للحياة)

وتشير التقديرات إلى أن حصار سراييفو أدى إلى مقتل أكثر من 11 ألف شخص، بينهم عدد كبير من الأطفال، في واحدة من أطول عمليات الحصار في الحروب الحديثة بأوروبا. وبينما وثّقت محاكم دولية العديد من الجرائم المرتكبة خلال النزاع، لا تزال بعض المزاعم — ومنها قضية “سفاري القنص” — محل جدل تاريخي وقانوني، بسبب صعوبة توثيقها بشكل قاطع بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود.

اللافت أن هذه الروايات عادت للظهور الآن مع فتح ملفات تحقيق جديدة، ومع استعداد شهود سابقين لكسر صمت طويل. كما أثارت جدلًا سياسيًا بعد أن ذُكر اسم ألكسندر فوتشيتش، الرئيس الحالي لـصربيا، في سياق ادعاءات غير مثبتة تتعلق بتلك المرحلة، وهي مزاعم لم تؤكدها تحقيقات قضائية حتى الآن.

بعد كل هذه السنوات، لا تزال سراييفو تحمل آثار ذلك الحصار في عمرانها وذاكرتها الجماعية. وبين شهادات الناجين، ووثائق المحاكم، والروايات التي تظهر تباعًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كانت تلك مجرد حكايات حرب قاسية، أم فصلًا مظلمًا لم يُكشف بالكامل بعد؟

في الحروب، قد تنتهي المعارك بتوقيع الاتفاقيات، لكن القصص التي خُلّفت وراءها تظل تبحث عمّن يرويها… أو يثبتها.

"
في الحروب، كثيرًا ما تختلط الروايات بالذاكرة، ويصعب التمييز بين ما هو موثّق وما يبقى عالقًا في شهادات من عاشوا الجحيم. لكن بعض القصص تظل قادرة على إثارة الصدمة حتى بعد مرور عقود، لأنها لا تتحدث فقط عن المعارك، بل عن الجانب الأكثر قتامة في الطبيعة البشرية. هكذا تعود إلى الواجهة روايات مرتبطة بحصار سراييفو
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة