الرئيسية/التحليلات/هل أغضب ترامب الخليج والعالم؟ ماذا وراء ضرب «بارس الجنوبي»
التحليلات

هل أغضب ترامب الخليج والعالم؟ ماذا وراء ضرب «بارس الجنوبي»

انفجارات في حقل بارس الجنوبي الإيراني بعد الضربة الإسرائيلية
📸انفجارات في حقل بارس الجنوبي الإيراني بعد الضربة الإسرائيلية
اليوم ميديا

منذ الضربة الجوية التي استهدفت منشآت حقل «بارس الجنوبي» في 18 مارس 2026، لم يعد المشهد في الشرق الأوسط قابلاً للقراءة ضمن حدود المواجهة الثنائية بين إيران وإسرائيل، بل اتسع ليأخذ شكل أزمة إقليمية مركبة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية، وتتشابك فيها مواقف القوى الكبرى مع توازنات دول الخليج. فقد شكّل هذا الهجوم، الذي طال أحد أهم مصادر الغاز الطبيعي في العالم، نقطة تحول أعادت طرح أسئلة أعمق حول طبيعة الصراع وحدوده، وما إذا كان يتجه نحو مزيد من الاتساع أو الضبط.

من بارس الجنوبي إلى أزمة إقليمية مركبة

في هذا السياق، أثار تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن عدم علمه المسبق بالهجوم جدلاً واسعًا في الأوساط السياسية والتحليلية، ليس فقط بسبب توقيته، بل لما يعكسه من محاولة لإعادة رسم حدود المسؤولية السياسية الأمريكية عن التطورات الجارية. وبينما تؤكد واشنطن رسميًا عدم مشاركتها في التخطيط للهجوم، يرى محللون أن طبيعة التنسيق العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل تجعل من الصعب فصل الموقف الأمريكي بالكامل عن مجريات الأحداث، ما يضع هذه التصريحات في إطار إدارة سياسية للتداعيات أكثر من كونها توصيفًا دقيقًا للوقائع.

هل كانت واشنطن خارج دائرة القرار؟

في المقابل، لا يبدو استهداف «بارس الجنوبي» حدثًا معزولًا، بل يأتي ضمن نمط متصاعد من الضربات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية لإيران. ويحمل هذا النوع من الهجمات أبعادًا تتجاوز تأثيره العسكري المباشر، إذ يطال أحد أهم مفاصل الاقتصاد الإيراني، بما يفرض عليه إعادة ترتيب أولوياته الداخلية، ويحدّ من قدرته على توظيف موارده في أنشطته الإقليمية.

ويُقرأ هذا الاستهداف، في نظر عدد من المراقبين، على أنه رسالة ردع تتجاوز الجانب العسكري التقليدي، لتشمل الضغط على مصادر القوة الاقتصادية لطهران، بما يعزز من أدوات التأثير في مسار المواجهة ويعيد تشكيل قواعد الاشتباك القائمة.

أهداف نتنياهو بين الردع وإعادة تشكيل التوازن

ضمن هذا الإطار، يندرج التحرك الإسرائيلي، بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ضمن مقاربة أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل معادلات القوة في المنطقة. إذ تشير تقديرات تحليلية إلى أن الأهداف لا تقتصر على احتواء التهديدات المباشرة، بل تمتد إلى تقويض النفوذ الإيراني، ورفع كلفة تمدده الإقليمي، عبر أدوات تجمع بين العمل العسكري والضغط الاستراتيجي.

ويأتي استهداف منشآت الطاقة في هذا السياق كوسيلة لإدخال بعد اقتصادي في معادلة الردع، بما ينعكس على حسابات الخصم ويؤثر في قدرته على الاستمرار في سياساته الحالية، سواء على مستوى دعم الحلفاء أو توسيع نطاق حضوره الإقليمي.

تداعيات خليجية ودولية متسارعة

غير أن تداعيات هذا التصعيد لم تقتصر على أطراف المواجهة المباشرة، بل امتدت لتشمل دول الخليج التي وجدت نفسها في دائرة التأثر المباشر. فقد تعرضت منشآت غاز في قطر لأضرار، في حين أعلنت السعودية اعتراض صواريخ كانت تستهدف أراضيها، وسط اضطرابات طالت منشآت وموانئ طاقة في الإمارات.

وتعكس هذه التطورات قلقًا متزايدًا لدى دول المنطقة من تحول بنيتها التحتية الحيوية إلى ساحة استهداف، بما يفرض عليها إعادة تقييم منظوماتها الدفاعية وتعزيز تعاونها الأمني، في ظل بيئة إقليمية شديدة التقلب.

وعلى المستوى الدولي، انعكست هذه التطورات سريعًا على أسواق الطاقة العالمية، حيث شهدت أسعار النفط والغاز ارتفاعًا ملحوظًا بفعل المخاوف من اتساع رقعة الصراع. ويُعزى ذلك جزئيًا إلى أهمية حقل «بارس الجنوبي» بوصفه جزءًا من أكبر مكمن غاز طبيعي في العالم، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا تأثير مباشر على ميزان العرض والطلب عالميًا.

مضيق هرمز في قلب المعادلة وسيناريوهات مفتوحة

كما زادت المخاوف مع احتمال امتداد التوتر إلى الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. ويُنظر إلى هذا المضيق باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ما يجعل أي تهديد له عاملًا قد يضاعف من حدة الاضطراب الاقتصادي العالمي.

في هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة تجمع بين دعم حليفها الاستراتيجي إسرائيل، والحفاظ في الوقت ذاته على استقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو ما يفسر التباين في الخطاب الأمريكي ومحاولات النأي بالنفس عن تفاصيل الهجوم، في مقابل الإبقاء على حضور سياسي وأمني يتيح إدارة مسار التصعيد.

وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن الصراع في المنطقة لم يعد محصورًا في إطاره العسكري التقليدي، بل بات يتداخل فيه البعد الاقتصادي بشكل متزايد، حيث تتحول منشآت الطاقة إلى عناصر مركزية في معادلات الردع والتأثير. وبينما تسعى إسرائيل إلى تعزيز موقعها عبر الضغط على مصادر القوة لدى خصومها، تحاول واشنطن إدارة توازنات دقيقة بين التصعيد والاحتواء، بينما تجد دول الخليج نفسها أمام تحديات أمنية واقتصادية متصاعدة.

وبين هذه الاعتبارات المتشابكة، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل غياب مؤشرات واضحة على تهدئة قريبة، واستمرار تداخل العوامل العسكرية والاقتصادية في رسم مسار الصراع.

دبي – محمد فال معاوية

"
منذ الضربة الجوية التي استهدفت منشآت حقل «بارس الجنوبي» في 18 مارس 2026، لم يعد المشهد في الشرق الأوسط قابلاً للقراءة ضمن حدود المواجهة الثنائية بين إيران وإسرائيل، بل اتسع ليأخذ شكل أزمة إقليمية مركبة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الاقتصادية، وتتشابك فيها مواقف القوى الكبرى مع توازنات دول الخليج. فقد شكّل هذا الهجوم،
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة