الرئيسية/التحليلات/هل خسرت إيران الخليج والعرب؟
التحليلات

هل خسرت إيران الخليج والعرب؟

تصاعد الدخان من حريق في ميناء الفجيرة بعد اعتراض طائرة مسيّرة وسط تصاعد التوتر في الخليج
📸تصاعد الدخان من حريق في ميناء الفجيرة بعد اعتراض طائرة مسيّرة وسط تصاعد التوتر في الخليج
اليوم ميديا

في قلب هذا الشرق المزدحم بالتاريخ والنزاعات، تتكرر الأسئلة كلما ارتفعت وتيرة الصواريخ وانخفض منسوب العقل: من يخسر؟ ومن يربح؟ وهل ما يجري اليوم مجرد جولة عسكرية عابرة، أم لحظة مفصلية تعيد رسم العلاقة بين إيران ومحيطها العربي، وخصوصًا دول الخليج؟

المشهد، كما يتبدّى من تداخل الوقائع والسياقات، ليس بسيطًا ولا خطيًا. فهناك تعاطف شعبي مع إيران في مواجهة ضربات الولايات المتحدة وإسرائيل، يقابله رفض أخلاقي وسياسي واضح لاستهداف المدن الخليجية بالصواريخ والمسيّرات. إنها مفارقة تكشف عمق الأزمة: يمكن أن تتعاطف مع طرف في سياق، وتدين سلوكه في سياق آخر، حين يتحول من متلقٍ للضربات إلى مُصدّر لها.

في هذا السياق، لا يبدو أن المنطقة تقف أمام حدث عابر، بل أمام إعادة تشكيل تدريجية في إدراك المخاطر، وحدود النفوذ، ومعادلات الردع.

بين التعاطف الشعبي وحدود الفعل السياسي

لا يمكن إنكار أن شريحة واسعة من الرأي العام العربي ترى في المواجهة الحالية امتدادًا لصراع طويل مع السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. غير أن هذا التعاطف لا ينسحب تلقائيًا على السلوك الإقليمي الإيراني، خاصة عندما تطال ضرباته مدنًا مكتظة مثل الرياض، أو حين تتحول السردية من “استهداف قواعد عسكرية” إلى واقع يصيب مدنيين لا علاقة لهم بمعادلات الردع.

حقل غاز بارس الإيراني الجنوبي بميناء عسلوية البحري – رويترز

هنا، تتكسر الرواية الدعائية أمام اختبار الواقع. فحين يسقط جرحى من جنسيات آسيوية، ويُصاب عمال وموظفون ومقيمون، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أي معركة هذه التي تُخاض فوق رؤوس الأبرياء؟ وأي مكسب سياسي يمكن أن يُبنى على خسارة أخلاقية بهذا الحجم؟

من منظور صناع القرار، هذه اللحظة تمثل نقطة تحول في إدراك المخاطر، حيث لم يعد تقييم التهديد مقتصرًا على البعد العسكري، بل امتد ليشمل الكلفة السياسية والاجتماعية لأي تصعيد غير منضبط.

الجذور التاريخية وتحوّل معادلات الأمن الإقليمي

لفهم اللحظة الراهنة، لا بد من العودة إلى الجذر المؤسس: الثورة الإيرانية عام 1979. منذ تلك اللحظة، لم تعد إيران مجرد دولة قومية ذات مصالح تقليدية، بل مشروعًا أيديولوجيًا يحمل فكرة “تصدير الثورة”. هذه الفكرة، التي تبناها روح الله الخميني، لم تبقَ في إطار الخطاب، بل تحولت إلى سياسات عملية تمثلت في دعم جماعات، وبناء شبكات نفوذ، وتغذية انقسامات داخل عدد من الدول العربية.

في المقابل، لم يكن الخليج في وارد خوض مواجهة أيديولوجية، بل وجد نفسه تدريجيًا أمام تهديدات أمنية مباشرة. ومن هنا بدأ التحول الاستراتيجي: طلب الحماية، توسيع الشراكات الدفاعية، والانخراط في منظومات أمنية تقودها واشنطن، في محاولة لموازنة هذا التهديد المتنامي.

صورة التقطتها الأقمار الصناعية تظهر جهود السيطرة على حريق مع تصاعد الدخان في مصفاة رأس تنورة لتكرير النفط في السعودية بعد هجوم بطائرة مسيرة – رويترز

المقارنة بين حقبة الشاه وما بعدها ليست حنينًا سياسيًا بقدر ما هي قراءة في أنماط السلوك. فالنظام السابق، رغم تحالفه الوثيق مع الغرب، لم يتبنَّ مشروعًا توسعيًا أيديولوجيًا داخل المجتمعات الخليجية، باستثناء نزاعات محدودة مثل الجزر الإماراتية وشط العرب. أما الجمهورية الإسلامية، فقد أعادت تعريف الأمن الإقليمي من زاوية “النفوذ العابر للحدود”، ما أسهم في تعميق فجوة الثقة مع الجوار العربي، وصولًا إلى لحظة أصبح فيها الوجود العسكري الأمريكي في الخليج نتيجةً لتراكم هذه السياسات، لا سببًا أوليًا لها.

من زاوية تحليل مراكز الفكر، يمكن قراءة هذا التحول باعتباره انتقالًا من “توازن مصالح” إلى “توازن هواجس”، وهو ما يفسر استمرار حالة عدم الاستقرار رغم تعدد محاولات التهدئة.

مضيق هرمز… من ورقة ضغط إلى اختبار النظام العالمي

في ذروة التصعيد، يتحول مضيق هرمز إلى قلب المعادلة العالمية. فهو ليس مجرد ممر مائي، بل شريان اقتصادي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. أي خلل في هذا الممر لا ينعكس على المنطقة وحدها، بل يمتد أثره إلى الأسواق الدولية.

فتعطيل الملاحة أو تهديدها ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة، ويؤدي إلى اضطراب الإمدادات، ما يضع دولًا كبرى تعتمد على نفط الخليج، مثل الصين والهند، أمام معضلة حقيقية تتطلب استجابات سريعة ومؤثرة. وهنا تتبدل طبيعة الصراع من إقليمي إلى عالمي، حيث تصبح كلفة التصعيد أعلى بكثير من حدود الحسابات التقليدية.

من منظور استراتيجي، يشكل المضيق “نقطة اختناق حرجة” في الاقتصاد العالمي، ما يعني أن أي توتر فيه لا يبقى محصورًا في الجغرافيا السياسية، بل يتحول إلى عامل ضغط على النظام الاقتصادي الدولي بأكمله.

إعادة تموضع الخليج… والإعلام كساحة نفوذ موازية

في المقابل، لا تبدو دول الخليج في موقع المتلقي فقط، بل تعمل على إعادة صياغة مقاربتها الأمنية بشكل أكثر شمولًا. فإلى جانب تعزيز القدرات الدفاعية، تتجه نحو تنويع التحالفات، وتوسيع أدواتها الدبلوماسية والاقتصادية، بما يتيح لها التعامل مع التهديدات من زوايا متعددة.

هذا التحول يعكس انتقالًا من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، حيث لم يعد الهدف مجرد امتصاص الضربات، بل بناء منظومة ردع قادرة على منع تكرارها. وهو ما يفسر الحديث المتزايد عن “خيارات خارج الرادار”، في إشارة إلى أدوات تتجاوز البعد العسكري التقليدي.

دخان يتصاعد من خزان وقود قرب مطار دبي بعد هجوم بطائرة مسيرة، ضمن سلسلة هجمات استهدفت منشآت النفط الخليجية. المصدر: رويترز

وفي خضم هذا المشهد، يلعب الإعلام دورًا لا يقل تأثيرًا عن أدوات القوة الصلبة. فكما أشار مارشال ماكلوهان، فإن الوسيلة قد تكون جزءًا من الرسالة، بل قد تتفوق عليها في التأثير. تعدد السرديات، وتضارب الروايات، وتدفق الصور والمقاطع، كلها عناصر تصنع واقعًا موازيًا قد يبتعد عن الحقيقة أو يعيد تشكيلها.

الخلاصة

إيران لم تخسر الخليج والعرب دفعة واحدة، لكنها تواجه تآكلًا تدريجيًا في نفوذها، تدفع ثمنه مع كل تصعيد يوسع فجوة الثقة مع جوارها الإقليمي. وفي المقابل، لا يزال هذا التآكل جزئيًا، في ظل عجز خصومها عن صياغة بديل مستقر يعيد تشكيل التوازن بشكل حاسم.

ما يجري اليوم يتجاوز حدود المواجهة العسكرية، ليصبح اختبارًا لقدرة طهران على إعادة تعريف دورها في المنطقة، ولقدرة الخليج على إدارة التهديد دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.

في النهاية، لن تُحسم هذه المعادلة بالصواريخ وحدها، بل بمدى القدرة على استعادة الثقة وبناء توازن قابل للاستمرار — وهي معادلة تبدو حتى الآن أكثر تعقيدًا من أي مواجهة عسكرية مباشرة.

لندن – محمد بن سالم

"
في قلب هذا الشرق المزدحم بالتاريخ والنزاعات، تتكرر الأسئلة كلما ارتفعت وتيرة الصواريخ وانخفض منسوب العقل: من يخسر؟ ومن يربح؟ وهل ما يجري اليوم مجرد جولة عسكرية عابرة، أم لحظة مفصلية تعيد رسم العلاقة بين إيران ومحيطها العربي، وخصوصًا دول الخليج؟ المشهد، كما يتبدّى من تداخل الوقائع والسياقات، ليس بسيطًا ولا خطيًا. فهناك تعاطف شعبي
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة