الرئيسية/التحليلات/رباعية إسلام آباد… تحالف مفاجئ يعيد رسم الشرق الأوسط
التحليلات

رباعية إسلام آباد… تحالف مفاجئ يعيد رسم الشرق الأوسط

اجتماع رباعي في إسلام آباد لبحث تهدئة التوتر الإقليمي
📸اجتماع رباعي في إسلام آباد لبحث تهدئة التوتر الإقليمي
اليوم ميديا

في لحظة إقليمية مشبعة بالتوترات والتحولات المتسارعة، برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح لحدث دبلوماسي لافت، قد لا يقتصر تأثيره على مسار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بل يمتد ليؤسس لتوازنات جديدة تعيد رسم ملامح المنطقة. ففي اجتماع بدا للوهلة الأولى اعتياديًا، اجتمع وزراء خارجية أربع دول محورية—مصر، السعودية، تركيا، وباكستان—لكن ما جرى خلف الأبواب المغلقة كشف عن ما هو أبعد من مجرد تنسيق مرحلي، ليشير إلى ولادة نواة لتحالف إقليمي جديد.

هذا اللقاء، الذي جمع كلاً من بدر عبد العاطي، فيصل بن فرحان، إسحاق دار، وهاكان فيدان، لم يكن مجرد محاولة لإطفاء حريق الحرب المشتعلة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بل كان بمثابة إعلان غير رسمي عن تحالف رباعي يسعى إلى لعب دور محوري في إدارة الصراع، وربما احتوائه.

في ظل مشهد إقليمي معقد، تتداخل فيه خطوط النفوذ والمصالح، تبدو هذه المبادرة استجابة مباشرة لحالة القلق المتصاعدة من انزلاق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها. فالحرب، التي بدأت بضربات محدودة، أخذت تتوسع تدريجيًا لتطال منشآت استراتيجية، وتهدد الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا أساسيًا لتدفق الطاقة العالمية.

الهدف الأول للمجموعة الرباعية، وفق ما تسرب من أجواء الاجتماع، يتمثل في الدفع نحو وقف فوري للتصعيد، وفتح قنوات تواصل غير مباشرة بين الأطراف المتنازعة. غير أن ما يميز هذه المبادرة هو سعيها لتجاوز الدور التقليدي للوساطة، نحو صياغة إطار إقليمي جديد يحد من هيمنة القوى المتصارعة، ويمنح الدول الإقليمية دورًا أكبر في تحديد مصيرها.

اللافت أن هذا التحالف، رغم طابعه البراغماتي، يضم دولًا تختلف في توجهاتها وتحالفاتها. فالسعودية، التي تشير تقارير إلى أنها كانت تدفع في الخفاء نحو موقف أكثر تشددًا تجاه إيران، تجد نفسها اليوم جزءًا من مبادرة تسعى لاحتواء التصعيد. هذا التناقض الظاهري يعكس، في الواقع، إدراكًا متزايدًا لدى دول الخليج بأن كلفة الحرب قد تتجاوز بكثير أي مكاسب محتملة.

في المقابل، تبدو تركيا الأكثر حماسًا لإنجاح هذا المسار. فمنذ سنوات، تدعو أنقرة إلى معالجة الملفات الإقليمية، وعلى رأسها البرنامج الصاروخي الإيراني، ضمن إطار إقليمي شامل، بدلًا من حصرها في مفاوضات ثنائية بين طهران وواشنطن. وترى أن إشراك دول المنطقة في هذه الملفات يعزز فرص التوصل إلى حلول أكثر استدامة.

أما باكستان، الدولة المضيفة، فقد لعبت دورًا محوريًا في تهيئة هذا اللقاء، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف. وقد نجحت، وفق ما أُعلن، في تحقيق اختراق محدود، تمثل في موافقة إيران على السماح بمرور السفن التي ترفع العلم الباكستاني عبر مضيق هرمز، في خطوة وُصفت بأنها إجراء لبناء الثقة، رغم محدودية تأثيرها العملي.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق أمام هذا التحالف لا يزال محفوفًا بالتحديات. فإيران، التي تصر على أن أي تواصل مع الولايات المتحدة يجب أن يتم عبر قنوات غير مباشرة، ترى في هذه المجموعة وسيطًا مقبولًا، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية في ظل استمرار الضغوط العسكرية.

من جهة أخرى، تظل الولايات المتحدة لاعبًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه. فالإدارة الأمريكية، بقيادة دونالد ترامب، ترسل إشارات متناقضة، تجمع بين التهديد بالتصعيد والاستعداد لإنهاء الحرب بشروط غير مكتملة. هذا الغموض يزيد من صعوبة مهمة الوسطاء، ويعقّد حسابات الدول الإقليمية.

اللاعب الغائب الحاضر في هذا المشهد هو الصين، التي طُرحت كضامن محتمل لأي اتفاق مستقبلي. غير أن هذا الطرح يواجه رفضًا أمريكيًا متوقعًا، ما يعكس صراعًا أوسع على النفوذ الدولي في المنطقة، يتجاوز حدود الحرب الحالية.

في خضم هذه التفاعلات، تبرز مخاوف حقيقية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى تداعيات كارثية، ليس فقط على مستوى الأمن، بل أيضًا على البيئة والاقتصاد. فاستهداف منشآت الطاقة أو محطات التحلية، أو حتى حدوث تسرب نووي في مياه الخليج، قد يحول الأزمة إلى كارثة إقليمية شاملة.

كما أن استمرار التوتر في مضيق هرمز يهدد بإحداث صدمة في أسواق الطاقة، وهو ما بدأت ملامحه تظهر بالفعل من خلال تقلبات أسعار النفط. هذه التطورات تضغط على اقتصادات الدول المستهلكة، وتدفعها إلى البحث عن بدائل أو اتخاذ إجراءات احترازية.

ورغم أن هذا التحالف الرباعي لا يزال في مراحله الأولى، إلا أنه يعكس تحولًا مهمًا في طريقة تعامل دول المنطقة مع أزماتها. فبدلًا من الاعتماد الكامل على القوى الكبرى، يبدو أن هناك توجهًا متزايدًا نحو بناء أطر إقليمية قادرة على إدارة الصراعات بشكل مستقل.

غير أن نجاح هذا المسار سيعتمد إلى حد كبير على قدرة هذه الدول على تجاوز خلافاتها، وتوحيد رؤاها، وتقديم مبادرات عملية تتجاوز البيانات الدبلوماسية. كما سيتطلب الأمر استعدادًا من الأطراف المتصارعة للانخراط في عملية سياسية حقيقية، وهو ما لا يبدو متاحًا في الوقت الراهن.

في النهاية، قد لا يكون اجتماع إسلام آباد قد أوقف الحرب، لكنه بلا شك فتح بابًا جديدًا أمام مقاربة مختلفة لإدارة الصراع. وبينما تستمر المعارك على الأرض، تبقى الدبلوماسية هي الأمل الأخير لتجنب انزلاق المنطقة إلى هاوية لا يمكن الخروج منها بسهولة.

"
في لحظة إقليمية مشبعة بالتوترات والتحولات المتسارعة، برزت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح لحدث دبلوماسي لافت، قد لا يقتصر تأثيره على مسار الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بل يمتد ليؤسس لتوازنات جديدة تعيد رسم ملامح المنطقة. ففي اجتماع بدا للوهلة الأولى اعتياديًا، اجتمع وزراء خارجية أربع دول محورية—مصر، السعودية، تركيا، وباكستان—لكن ما جرى خلف الأبواب
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة