
في خضم سباق عالمي محموم لإعادة رسم خرائط التجارة، يعود الشرق الأوسط ليكون ساحة تنافس على الممرات الكبرى. هذه المرة، ليس عبر البحار فقط، بل من خلال سكك حديدية قد تغيّر قواعد اللعبة. فالاتفاق الذي وُقّع في عمّان بين تركيا وسوريا والأردن، فتح باب التساؤلات: هل نحن أمام مشروع حقيقي يربط أوروبا بالخليج؟ أم مجرد إعلان سياسي في توقيت حساس؟
الطموح يبدو كبيرًا: ممر بري وسككي يمتد من جنوب أوروبا وصولًا إلى الخليج العربي، بما قد يعيد تشكيل حركة التجارة العالمية، ويطرح بديلًا مباشرًا لمشروع الممر الهندي الشرق الأوسط الأوروبي الذي تدعمه قوى غربية وإقليمية.
لكن خلف هذا الطموح، تختبئ تفاصيل معقدة تجعل الطريق إلى التنفيذ أكثر صعوبة مما يبدو.
من الفكرة إلى الواقع.. أين يقف المشروع؟
المذكرة الموقّعة ليست مشروعًا جاهزًا للبناء، بل إطار تعاون شامل يشمل النقل البري والبحري والجوي. الهدف المعلن هو تحسين سلاسل الإمداد وتسهيل حركة البضائع والركاب، لكن الممر السككي يظل أبرز ما يلفت الانتباه.
حتى الآن، لا يوجد خط حديدي متصل يربط هذه الدول ببعضها بشكل فعلي وصولًا إلى الخليج. ما يوجد هو أجزاء متناثرة من شبكات وطنية، بعضها يعمل بكفاءة، وبعضها الآخر متضرر أو غير مكتمل.
في تركيا، جرى بالفعل تطوير بعض الخطوط، بما في ذلك ممر بطول 350 كيلومترًا قرب الحدود السورية، وهو تطور مهم لكنه يظل ضمن الشبكة المحلية.
أما في سوريا، فالوضع أكثر تعقيدًا. فالشبكة التي كانت تمتد لآلاف الكيلومترات لم يعد يعمل منها سوى جزء محدود، نتيجة سنوات من الدمار، ما يجعل إعادة التأهيل شرطًا أساسيًا قبل التفكير في أي ربط إقليمي.
وفي الأردن، لا تزال البنية التحتية للربط السككي الإقليمي في مراحل التخطيط، مع وجود مشروع واعد يربط مناجم الفوسفات بميناء العقبة، لكنه لا يكفي وحده لإنشاء ممر عابر للقارات.
التمويل.. العقدة الأكبر
إذا كان الحلم كبيرًا، فإن كلفته أكبر. حتى الآن، لا توجد أرقام رسمية لتمويل الممر بالكامل، وهو ما يثير شكوكًا حول جدية التنفيذ في المدى القريب.
إعادة تأهيل الشبكة السورية وحدها تحتاج إلى مليارات الدولارات، بينما تتطلب مشاريع الربط في الأردن استثمارات ضخمة إضافية. أما تركيا، فرغم تقدمها النسبي، فإنها تحتاج إلى شركاء دوليين لتوسيع المشروع خارج حدودها.
وفي المقابل، لا يبدو أن دول الخليج التزمت بعد بتمويل هذا الممر بشكل مباشر، رغم امتلاكها مشاريع لوجستية ضخمة داخل حدودها.
هذا الفراغ التمويلي يجعل المشروع أقرب إلى رؤية استراتيجية منه إلى خطة تنفيذية جاهزة.
سباق الممرات.. من يربح؟
توقيت الإعلان ليس عشوائيًا. فالعالم يشهد تنافسًا متصاعدًا على ممرات التجارة، خاصة مع اضطراب الملاحة في نقاط حيوية مثل مضيق هرمز.
في هذا السياق، تسعى تركيا إلى تعزيز موقعها كمحور عبور بين الشرق والغرب، بينما يرى الأردن فرصة لتحويل ميناء العقبة إلى مركز لوجستي إقليمي. أما سوريا، فتبحث عن إعادة إدماج اقتصادها في النظام الإقليمي.
لكن هذا المشروع لا يتحرك في فراغ. فهناك منافسة مباشرة مع مشاريع أخرى، أبرزها الممر الهندي–الأوروبي، إلى جانب مبادرات إقليمية مثل “طريق التنمية” الذي يربط الخليج بأوروبا عبر العراق.
هذا التنافس يعني أن أي مشروع جديد يجب أن يقدم ميزة واضحة من حيث الكلفة أو السرعة أو الاستقرار، وهو أمر لم يُحسم بعد.
تحديات تتجاوز الاقتصاد
ليست التحديات مالية فقط، بل تمتد إلى الأمن والسياسة. فاستقرار الممر يعتمد بشكل كبير على الوضع داخل سوريا، حيث لا تزال بعض المناطق غير مستقرة، ما قد يعرقل أي استثمار طويل الأمد.
كما أن التنسيق بين الدول الثلاث يتطلب اتفاقات معقدة حول الرسوم والإجراءات الجمركية وإدارة الحدود، وهي تفاصيل قد تستغرق سنوات من التفاوض.
إضافة إلى ذلك، فإن مشاريع السكك الحديدية الكبرى تحتاج عادة إلى فترات طويلة للتخطيط والتنفيذ، حتى في البيئات المستقرة والممولة بالكامل.
هل ينهي المشروع الممر الهندي الإسرائيلي؟
رغم الطموح الكبير، يبدو من المبكر الحديث عن “نهاية” أي ممر منافس. فالممر الهندي–الأوروبي لا يزال مدعومًا بتحالفات قوية وتمويل محتمل، بينما يفتقر المشروع الجديد إلى هذه العناصر حتى الآن.
الأقرب للواقع أن المنطقة تتجه نحو تعدد الممرات، لا استبدال واحد بآخر. وهذا قد يخلق شبكة أكثر تعقيدًا، لكنها أيضًا أكثر مرونة في مواجهة الأزمات.
بين الحلم والواقع
في النهاية، يبدو مشروع سكة حديد الخليج–أوروبا أقرب إلى إعلان نوايا طموح منه إلى خطة جاهزة للتنفيذ. فبين الطموحات السياسية والتحديات الميدانية، لا يزال الطريق طويلًا.
لكن مجرد طرح الفكرة يعكس تحولًا مهمًا في التفكير الإقليمي: من الاعتماد على الممرات التقليدية إلى البحث عن بدائل جديدة تعزز الاستقلالية الاقتصادية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه السكة إلى واقع يغيّر خريطة التجارة، أم تظل مجرد حلم مؤجل في منطقة لا تنقصها المشاريع الكبرى؟
لندن – خالد بن راشد الظاهري




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *