الرئيسية/التحليلات/تفكيك خلية مرتبطة بإيران في الإمارات.. هل تنتقل معركة النفوذ إلى الداخل؟
التحليلات

تفكيك خلية مرتبطة بإيران في الإمارات.. هل تنتقل معركة النفوذ إلى الداخل؟

العاصمة أبوظبي
📸العاصمة أبوظبي
اليوم ميديا

لم يكن إعلان الإمارات عن تفكيك تنظيم سري مرتبط بما يُعرف بـ”ولاية الفقيه” مجرد تطور أمني عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد الصراعات تُخاض فقط عبر الجيوش أو القنوات الدبلوماسية، بل عبر شبكات معقدة تعمل داخل المجتمعات، وتستهدف إعادة تشكيل الوعي والولاءات.

البيان الرسمي أشار إلى أن الخلية كانت تنشط ضمن مخطط منسق، اعتمد على الاستقطاب والتجنيد وبناء قنوات اتصال مع جهات خارجية، في محاولة للوصول إلى مواقع حساسة والتأثير في البيئة الداخلية. لكن ما يلفت الانتباه، بحسب مراقبين، هو أن هذا النمط من النشاط لا يهدف إلى تنفيذ عمليات سريعة ومباشرة، بقدر ما يسعى إلى بناء نفوذ تراكمي طويل الأمد، قائم على التغلغل البطيء داخل النسيج الاجتماعي.

ويقول محللون إن ما جرى يعكس تحولًا واضحًا في أدوات الصراع الإقليمي، حيث تتراجع المواجهة الصلبة لصالح ما يمكن وصفه بـ”الاختراق الناعم”، الذي يعتمد على الأفكار، والشبكات، والروابط غير الرسمية، بدل القوة العسكرية المباشرة. هذا النوع من التهديدات، كما يرون، أكثر تعقيدًا وخطورة، لأنه يعمل تحت السطح، ويصعب رصده في مراحله الأولى.

ربط التنظيم بـ”ولاية الفقيه” يضع القضية ضمن سياق أوسع يتعلق بطبيعة المشروع الإيراني في المنطقة. فبحسب قراءات سياسية متقاطعة، لا يقتصر هذا المشروع على النفوذ الجيوسياسي التقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء منظومات ولاء عابرة للحدود، تستند إلى أيديولوجيا دينية-سياسية تمنح شرعية للتدخل خارج الإطار الوطني.

ويشير مراقبون إلى أن هذا النموذج لم يعد جديدًا، إذ سبق أن ظهر بأشكال مختلفة في عدد من الساحات الإقليمية، حيث يتم الاعتماد على وكلاء محليين وشبكات اجتماعية ودينية لبناء حضور تدريجي داخل الدول. وفي هذا السياق، فإن محاولة تكرار هذا النمط داخل بيئة مستقرة مثل الإمارات تعكس، وفق تقديراتهم، توسعًا في نطاق أدوات النفوذ، وسعيًا لاختبار مساحات جديدة.

اللافت في تفاصيل القضية أن التنظيم لم يعتمد على العنف المباشر، بل ركز على استهداف فئة الشباب عبر خطاب تعبوي يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي السياسي والديني. ويرى محللون أن هذه الاستراتيجية تقوم على فرضية مفادها أن السيطرة على العقول تسبق السيطرة على الواقع، وأن بناء قاعدة فكرية موالية يمكن أن يتحول لاحقًا إلى رافعة سياسية أو أمنية.

وفي هذا الإطار، تصبح الجامعات، والفضاءات الرقمية، وحتى اللقاءات الاجتماعية المغلقة، ساحات محتملة لهذا النوع من النشاط، ما يفرض تحديات تتجاوز العمل الأمني التقليدي. فالمواجهة، كما يقول مراقبون، لم تعد فقط مسألة ضبط أمني، بل معركة ممتدة تشمل التعليم، والإعلام، وبناء السرديات الوطنية.

في المقابل، تكشف العملية عن مستوى متقدم من الجاهزية لدى الأجهزة الأمنية الإماراتية، التي نجحت—وفق المعطيات المعلنة—في تفكيك الشبكة قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ. ويعكس ذلك اعتماد مقاربة استباقية تقوم على الرصد المبكر وتحليل الأنماط، بدل الاكتفاء برد الفعل.

ويرى محللون أن نشر مشاهد القبض على عناصر الخلية لم يكن مجرد توثيق، بل جزء من استراتيجية اتصال تهدف إلى تحقيق الردع، وإرسال رسائل واضحة بأن المجال الداخلي محصن ضد محاولات الاختراق. كما يحمل هذا النشر، بحسب تقديراتهم، بعدًا سياسيًا موجّهًا إلى الخارج، مفاده أن أي نشاط عابر للحدود سيُكشف ويُواجه.

لكن ما يضفي على هذه القضية بعدًا أعمق هو توقيتها، إذ تأتي في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تدخل بالفعل مرحلة جديدة من الصراع، تُدار عبر أدوات غير تقليدية. فبدل المواجهة المباشرة، يجري الاستثمار في الشبكات، والأفكار، والولاءات، كوسائل لتحقيق النفوذ.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن ما نشهده اليوم هو انتقال من “صراع الدول” إلى “صراع داخل الدول”، حيث تصبح المجتمعات نفسها ساحة للتنافس، وتتحول الهوية إلى خط تماس. وفي هذا السياق، لا يعود الأمن مجرد مسألة حدود، بل مسألة تماسك داخلي وقدرة على مقاومة الاختراق.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إلى أي مدى يمكن للدول أن توازن بين الانفتاح—الذي تفرضه العولمة—والحفاظ على مناعتها الداخلية؟ وهل تمتلك الأدوات الكافية لمواجهة تهديدات تعمل في الظل، وتستثمر في الزمن أكثر مما تستثمر في الصدمة؟

في المحصلة، تكشف قضية تفكيك هذه الخلية أن التحدي لم يعد في مواجهة الخطر بعد ظهوره، بل في القدرة على اكتشافه قبل أن يتشكل. كما تؤكد أن الصراع في المنطقة لم يعد يُقاس فقط بما يجري على الأرض، بل بما يُبنى في العقول، وما يُنسج في الخفاء.

وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن معركة النفوذ الحقيقية قد انتقلت بالفعل إلى الداخل، حيث لا تُحسم بالضرورة بالقوة، بل بالقدرة على حماية الوعي، وتعزيز الانتماء، ومنع تحويل المجتمعات إلى ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين.

لندن – محمد فال معاوية

"
لم يكن إعلان الإمارات عن تفكيك تنظيم سري مرتبط بما يُعرف بـ"ولاية الفقيه" مجرد تطور أمني عابر، بل لحظة كاشفة لطبيعة التحولات التي تشهدها المنطقة، حيث لم تعد الصراعات تُخاض فقط عبر الجيوش أو القنوات الدبلوماسية، بل عبر شبكات معقدة تعمل داخل المجتمعات، وتستهدف إعادة تشكيل الوعي والولاءات. البيان الرسمي أشار إلى أن الخلية كانت
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة