الرئيسية/التحليلات/عاصم منير.. الجنرال الذي أعاد باكستان إلى قلب التوازنات
التحليلات

عاصم منير.. الجنرال الذي أعاد باكستان إلى قلب التوازنات

image
📸قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن اسم عاصم منير يتردد خارج دوائر النخبة الأمنية في إسلام آباد
اليوم ميديا / وكالات

قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن اسم عاصم منير يتردد خارج دوائر النخبة الأمنية في إسلام آباد. كان ضابطًا صلبًا في مؤسسة عسكرية اعتادت العمل بصمت، قبل أن يجد نفسه فجأة خارج دائرة الضوء، بعد إقالته من رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستاني خلال فترة حكم عمران خان. حينها، بدا وكأن مسيرته وصلت إلى سقفها، أو ربما إلى نهايتها.

لكن السياسة في باكستان لا تعترف بالنهايات السريعة، والجيش تحديدًا لا يفرّط برجاله بسهولة.

في نوفمبر 2022، عاد منير من الباب الأوسع. بقرار من رئيس الوزراء شهباز شريف، تولى قيادة الجيش خلفًا للجنرال قمر جاويد باجوا، ليرث مؤسسة عسكرية تُعد من الأكبر عالميًا، بقدرات نووية ونفوذ سياسي يتجاوز حدود الثكنات. لم يكن التحدي عسكريًا فحسب، بل كان سياسيًا واقتصاديًا، في بلد يعيش على حافة أزمات متلاحقة.

من جذور النزوح إلى صلابة القرار

وُلد منير عام 1968 في مدينة روالبندي، لكن جذوره تمتد إلى جراح أعمق، تعود إلى تقسيم الهند عام 1947. عائلته، كغيرها من آلاف العائلات المسلمة، هاجرت من جالاندهار وسط موجة عنف دموي. تلك الذاكرة، التي ورثها عبر الحكايات، شكّلت جزءًا من وعيه المبكر، ورسّخت لديه إحساسًا دائمًا بالصراع والهوية.

نشأ في بيئة محافظة، حيث كان والده إمامًا ومربيًا، ما انعكس على شخصيته لاحقًا. لم يكن مجرد ضابط، بل رجل يحمل رؤية دينية وثقافية واضحة، حتى أنه حفظ القرآن الكريم، ليصبح أول قائد للجيش الباكستاني يُعرف بلقب “الحافظ”.

دخل الجيش عام 1986، وتخرج متفوقًا من الأكاديمية العسكرية، حاصدًا “سيف الشرف”، وهو أعلى تكريم للمتفوقين. ومنذ ذلك الحين، لم يكن صعوده عاديًا، بل كان مسارًا متدرجًا عبر أخطر الجبهات، خصوصًا على الحدود مع الهند في كشمير وسياشين.

رجل الاستخبارات الذي يعرف كل شيء

تميّز منير بأنه الضابط الوحيد الذي قاد أهم جهازين استخباريين في البلاد: الاستخبارات العسكرية (MI) ثم جهاز (ISI). هذه التجربة المزدوجة منحته فهمًا عميقًا للدولة من الداخل، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا وأمنيًا.

ورغم أن فترة رئاسته للاستخبارات لم تدم طويلًا، إلا أنها كانت كافية لتكشف عن شخصيته الحازمة، وربما أيضًا لتثير خلافات مع القيادة السياسية آنذاك، خاصة مع عمران خان.

لكن تلك الإقالة، التي بدت ضربة قاسية، تحولت لاحقًا إلى نقطة انطلاق جديدة.

2025.. الحرب التي صنعت “المشير”

ظل منير تحت ضغط داخلي كبير حتى اندلاع المواجهة مع الهند في مايو 2025. كانت لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لقيادته العسكرية، بل لمكانته داخل الدولة.

قاد عملية “البنيان المرصوص” ردًا على الضربات الهندية، ونجح في تحويل المواجهة إلى نقطة تحول في مسيرته. لم تكن الحرب طويلة، لكنها كانت كافية لصناعة بطل قومي.

فجأة، تغيّرت الصورة. من قائد يواجه انتقادات داخلية، إلى رمز وطني. وبلغت ذروة هذا التحول عندما قرر البرلمان ترقيته إلى رتبة “مشير”، ليصبح ثاني شخصية في تاريخ باكستان تنال هذا اللقب.

هذه الترقية لم تكن رمزية فقط، بل كرّست واقعًا جديدًا: منير أصبح الرجل الأقوى في البلاد.

كيمياء القوة مع دونالد ترامب

لكن صعود منير لم يتوقف عند الداخل. خارجيًا، بدأ في رسم شبكة علاقات معقدة، كان أبرزها علاقته مع دونالد ترامب.

في خضم التوترات الدولية، نجح منير في تقديم نفسه كشريك استراتيجي لواشنطن، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا. عرض فرص استثمار ضخمة، من المعادن النادرة إلى الطاقة، وفتح الباب أمام تعاون أوسع.

بلغت هذه العلاقة ذروتها عندما أشاد ترامب به علنًا، واصفًا إياه بـ”المارشال العظيم”، في مشهد عكس حجم التقارب غير المسبوق.

هذه “الكيمياء الشخصية” لم تكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تحولت إلى أداة نفوذ أعادت باكستان إلى قلب التوازنات الدولية.

بين إيران والهند.. سياسة الحافة

في الجهة المقابلة، لم يكن التعامل مع إيران سهلًا. العلاقة مع طهران معقدة، تحكمها الجغرافيا والحدود والمصالح الأمنية.

منير اختار نهجًا مزدوجًا: ردع حين يلزم، وتهدئة حين تتطلب الظروف. لم يتردد في الرد عسكريًا على أي تهديد، لكنه في الوقت نفسه حافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع قيادات إيرانية، من بينها شخصيات بارزة مثل قاسم سليماني وحسين سلامي.

هذا التوازن الدقيق مكّنه لاحقًا من لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، في واحدة من أعقد الملفات الدولية.

أما مع الهند، فالمعادلة مختلفة. الصراع هناك ليس فقط جغرافيًا، بل أيديولوجيًا أيضًا. منير تبنى خطابًا حادًا، مؤكدًا أن كشمير تمثل “شريان حياة” لباكستان، وأن بلاده مستعدة لكل السيناريوهات.

إعادة هندسة الدولة

في الداخل، لم يكتفِ منير بالدور العسكري. أعاد تشكيل العلاقة بين الجيش والدولة، مستفيدًا من تعديلات دستورية مددت فترة قيادته ومنحته صلاحيات أوسع.

كما وضع الاقتصاد في قلب استراتيجيته، عبر إطلاق مبادرات لجذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا من دول الخليج والصين. وأعاد إحياء مشاريع استراتيجية مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC).

هذه التحركات لم تكن مجرد إصلاحات، بل كانت جزءًا من رؤية أوسع لتحويل باكستان إلى قوة إقليمية متماسكة.

الرجل الذي أعاد باكستان إلى اللعبة

بحلول عام 2026، لم تعد باكستان ذلك اللاعب الهامشي في السياسة الدولية. بفضل شبكة علاقات منير، وعلاقته المتوازنة مع واشنطن وبكين، وتحركاته في الخليج، عادت إسلام آباد إلى مركز المشهد.

نجح في تحويل بلاده من دولة تدافع عن موقعها، إلى دولة تصنع التوازنات.

وربما هذا هو سر صعوده: ليس فقط كقائد عسكري، بل كمهندس لمرحلة جديدة في تاريخ باكستان.

في عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، يبدو أن عاصم منير لم يكتفِ بمواكبة التحولات، بل قرر أن يكون أحد صانعيها.

"
قبل سنوات قليلة فقط، لم يكن اسم عاصم منير يتردد خارج دوائر النخبة الأمنية في إسلام آباد. كان ضابطًا صلبًا في مؤسسة عسكرية اعتادت العمل بصمت، قبل أن يجد نفسه فجأة خارج دائرة الضوء، بعد إقالته من رئاسة جهاز الاستخبارات الباكستاني خلال فترة حكم عمران خان. حينها، بدا وكأن مسيرته وصلت إلى سقفها، أو ربما
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة