الرئيسية/ثقافة ومجتمع/بين الوحي والعقل.. هل يعيد سلطان القاسمي طرح سؤال بداية العالم؟
ثقافة ومجتمع

بين الوحي والعقل.. هل يعيد سلطان القاسمي طرح سؤال بداية العالم؟

الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي
📸الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي
اليوم ميديا

في لحظةٍ يتقاطع فيها سؤال الإيمان مع منطق المعرفة، يبرز مشروع فكري يعيد فتح ملف البدايات الكبرى خارج القوالب التقليدية، حيث لا يعود تاريخ الكون مجرد سردٍ متراكم للروايات، بل محاولة لفهم الأصل ضمن رؤيةٍ تحاول التوازن بين الوحي والعقل، وبين النص والتأويل.

وفي هذا السياق، أعلن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عن مشروعه الموسوعي “الكون وأناسي كثيراً”، وهو عمل فكري ضخم يهدف إلى تقديم قراءة شاملة لتاريخ الكون والإنسان، انطلاقًا من مرجعية قرآنية ومنهجية علمية تتجنب الروايات غير الموثوقة، في محاولة لإعادة بناء السرد التاريخي ضمن إطار أكثر اتساقًا وعمقًا.

ويمتد المشروع على نحو 100 مجلد، ما يجعله من أضخم المشاريع الموسوعية العربية المعاصرة من حيث الحجم والطموح المعرفي. ويهدف إلى تتبع مسار الكون منذ المراحل السابقة لوجود الإنسان، مرورًا ببدايات الخليقة، وصولًا إلى قصص الأنبياء، ضمن مقاربة تسعى إلى الربط بين النص الديني والتحليل المعرفي، بعيدًا عن السرد المجتزأ أو الروايات المتباينة.

ويعتمد المشروع على قراءة تحليلية للنص القرآني بوصفه مرجعًا معرفيًا رئيسيًا، مع تقديم تصور متكامل لتاريخ الإنسان والكون يوازن بين الإيمان والمنهج العلمي. ويسعى في هذا الإطار إلى تجاوز الإشكاليات التي رافقت كتابة التاريخ الديني، خصوصًا ما يتعلق بتعدد الروايات واختلاف مصادرها، عبر طرح أكثر تنظيمًا واتساقًا.

ويرى متابعون أن هذا المشروع لا يقتصر على كونه عملًا توثيقيًا ضخمًا، بل يمثل محاولة لإعادة طرح أسئلة كبرى تتعلق بالبدايات والوجود ومسار الإنسان، بما يمنحه بعدًا فلسفيًا يتجاوز حدود التأليف الموسوعي التقليدي. كما يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول كتابة التاريخ في الثقافة العربية، وحدود العلاقة بين النص الديني والسرد التاريخي، في ظل الحاجة إلى مقاربات جديدة تستجيب لتحولات المعرفة.

ويكتسب المشروع أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة في طرق إنتاج المعرفة وتداولها، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة تقديم السرديات الكبرى بصورة أكثر دقة ووضوحًا، خصوصًا للأجيال الجديدة التي تتلقى معارفها في بيئة رقمية مفتوحة ومتعددة المصادر. ويمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه محاولة لسد فجوة معرفية، عبر محتوى يجمع بين العمق وسهولة التلقي، ويخاطب القارئ العام والباحث على حد سواء.

كما يُنتظر أن يسهم في إثراء المكتبة العربية في مجال الدراسات الموسوعية المتعلقة بتاريخ الكون والإنسان من منظور عربي وإسلامي معاصر، في حقل ما يزال محدود الحضور مقارنة بنظيراته العالمية. ويعكس المشروع طموحًا لتقديم نموذج معرفي قادر على المنافسة من حيث المنهجية والطرح، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والدينية.

ولا ينفصل هذا المشروع عن المسار الثقافي الذي تتبناه إمارة الشارقة منذ عقود، بوصفها مركزًا فاعلًا في الإنتاج الثقافي والمعرفي في المنطقة، من خلال دعم المشاريع الفكرية الكبرى وتعزيز حضور الثقافة في المجتمع. ويأتي هذا العمل امتدادًا لهذا التوجه، بوصفه استثمارًا في المعرفة بوصفها أداة لبناء الإنسان وتطوير الوعي.

وفي الوقت نفسه، يثير المشروع تساؤلات حول قدرة هذا النوع من الأعمال الموسوعية على التفاعل مع العصر الرقمي، ومدى وصوله إلى جمهور واسع في ظل تغير عادات القراءة وتلقي المعرفة. غير أن شموليته ومنهجيته قد تمنحانه فرصة للانتشار، خاصة إذا ما قُدم بصيغ متعددة تواكب التحولات التقنية.

ومن زاوية أخرى، يطرح المشروع تحديًا يتعلق بالموازنة بين المرجعية الدينية والانفتاح على المناهج العلمية الحديثة، وهو تحدٍ ظل حاضرًا في كثير من محاولات كتابة التاريخ في السياق العربي والإسلامي. ويبدو أن هذا العمل يسعى إلى تقديم مقاربة تجمع بين هذين البعدين دون الوقوع في التبسيط أو التناقض.

وفي المحصلة، يمكن النظر إلى “الكون وأناسي كثيراً” بوصفه محاولة طموحة لإعادة قراءة تاريخ الكون والإنسان ضمن رؤية معرفية تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتفتح المجال أمام إعادة التفكير في عدد من المسلّمات المرتبطة بالسرد التاريخي والديني، بما قد يمنحه موقعًا متقدمًا ضمن أبرز المشاريع الثقافية العربية في السنوات المقبلة.

لندن – محمد فال معاوية

"
في لحظةٍ يتقاطع فيها سؤال الإيمان مع منطق المعرفة، يبرز مشروع فكري يعيد فتح ملف البدايات الكبرى خارج القوالب التقليدية، حيث لا يعود تاريخ الكون مجرد سردٍ متراكم للروايات، بل محاولة لفهم الأصل ضمن رؤيةٍ تحاول التوازن بين الوحي والعقل، وبين النص والتأويل. وفي هذا السياق، أعلن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي
— اليوم ميديا / ثقافة ومجتمع

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الشيخ سلطان القاسمي مع طفل إماراتي.. مشهد يلخص رؤية الشارقة في بناء الإنسان والثقافة.

الشارقة.. كيف تحولت الثقافة إلى قوة ناعمة؟

الشارقة – محمد فال معاوية على مدى أكثر من أربعة عقود، لم تتعامل الشارقة مع الثقافة باعتبارها نشاطًا موسميًا أو واجهة احتفالية، بل بنت حولها مؤسسات وفعاليات ومشروعات امتدت من الكتاب والمسرح إلى المتاحف والفنون والتراث، قبل أن تتوسع إلى فضاء عربي ودولي أوسع. ومن هنا يمكن قراءة التجربة من زاوية مختلفة: كيف يمكن لمشروع

لندن - اليوم ميديا
الأربعاء، ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
راسل كرو.. من هوليوود إلى الموسيقى

راسل كرو.. لماذا لا يستطيع الابتعاد عن الموسيقى؟

خلف صورة راسل كرو التي رسخها فيلم «غلادياتور» وأدواره السينمائية الكبرى، تختبئ علاقة طويلة بالموسيقى لم تكن بالنسبة إلى النجم النيوزيلندي مجرد هواية جانبية. وفي مهرجان فينيسيا السينمائي هذا العام، عاد كرو إلى هذه العلاقة من خلال فيلمه الوثائقي الجديد «What Love Builds»، الذي يروي جانبًا من حياته الموسيقية الممتدة على مدى عقود. وعُرض الفيلم

لندن - اليوم ميديا
السبت، ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
سقارة.. سجل مفتوح لتاريخ مصر القديمة

مقبرة من الأسرة الخامسة تكشف أسرار سقارة

كشفت بعثة أثرية مصرية إسبانية مشتركة عن مقبرة تعود إلى أواخر الأسرة الخامسة في منطقة سقارة، في اكتشاف جديد يضيف معلومات إلى تاريخ الدولة المصرية القديمة، ويفتح المجال أمام دراسة جوانب من العمارة الجنائزية والفنون والنظم الإدارية في تلك المرحلة. وأعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية أن المقبرة تقع في جبانة مارييت شمال سقارة، وترجع إلى

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ٨ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الممثلة والمنتجة المصرية بشرى لدى وصولها إلى السجادة الحمراء قبل حفل توزيع جوائز "جوي" في الرياض

ظفار تفتح شاشتها للعالم.. انطلاق مهرجانها السينمائي الدولي

فتحت مدينة صلالة في محافظة ظفار العُمانية شاشتها أمام السينما العربية والدولية، مع انطلاق الدورة الثانية من مهرجان ظفار السينمائي الدولي، بمشاركة 32 فيلمًا من 16 دولة، في حدث يسعى إلى تعزيز حضور عُمان على خارطة صناعة السينما ودعم المواهب والتجارب الجديدة. وانطلقت فعاليات المهرجان الأحد في مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة، وتستمر

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٧ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة