
في لحظةٍ يتقاطع فيها سؤال الإيمان مع منطق المعرفة، يبرز مشروع فكري يعيد فتح ملف البدايات الكبرى خارج القوالب التقليدية، حيث لا يعود تاريخ الكون مجرد سردٍ متراكم للروايات، بل محاولة لفهم الأصل ضمن رؤيةٍ تحاول التوازن بين الوحي والعقل، وبين النص والتأويل.
وفي هذا السياق، أعلن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عن مشروعه الموسوعي “الكون وأناسي كثيراً”، وهو عمل فكري ضخم يهدف إلى تقديم قراءة شاملة لتاريخ الكون والإنسان، انطلاقًا من مرجعية قرآنية ومنهجية علمية تتجنب الروايات غير الموثوقة، في محاولة لإعادة بناء السرد التاريخي ضمن إطار أكثر اتساقًا وعمقًا.
ويمتد المشروع على نحو 100 مجلد، ما يجعله من أضخم المشاريع الموسوعية العربية المعاصرة من حيث الحجم والطموح المعرفي. ويهدف إلى تتبع مسار الكون منذ المراحل السابقة لوجود الإنسان، مرورًا ببدايات الخليقة، وصولًا إلى قصص الأنبياء، ضمن مقاربة تسعى إلى الربط بين النص الديني والتحليل المعرفي، بعيدًا عن السرد المجتزأ أو الروايات المتباينة.
ويعتمد المشروع على قراءة تحليلية للنص القرآني بوصفه مرجعًا معرفيًا رئيسيًا، مع تقديم تصور متكامل لتاريخ الإنسان والكون يوازن بين الإيمان والمنهج العلمي. ويسعى في هذا الإطار إلى تجاوز الإشكاليات التي رافقت كتابة التاريخ الديني، خصوصًا ما يتعلق بتعدد الروايات واختلاف مصادرها، عبر طرح أكثر تنظيمًا واتساقًا.
ويرى متابعون أن هذا المشروع لا يقتصر على كونه عملًا توثيقيًا ضخمًا، بل يمثل محاولة لإعادة طرح أسئلة كبرى تتعلق بالبدايات والوجود ومسار الإنسان، بما يمنحه بعدًا فلسفيًا يتجاوز حدود التأليف الموسوعي التقليدي. كما يفتح المجال أمام نقاش أوسع حول كتابة التاريخ في الثقافة العربية، وحدود العلاقة بين النص الديني والسرد التاريخي، في ظل الحاجة إلى مقاربات جديدة تستجيب لتحولات المعرفة.
ويكتسب المشروع أهمية خاصة في ظل التحولات المتسارعة في طرق إنتاج المعرفة وتداولها، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة تقديم السرديات الكبرى بصورة أكثر دقة ووضوحًا، خصوصًا للأجيال الجديدة التي تتلقى معارفها في بيئة رقمية مفتوحة ومتعددة المصادر. ويمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه محاولة لسد فجوة معرفية، عبر محتوى يجمع بين العمق وسهولة التلقي، ويخاطب القارئ العام والباحث على حد سواء.
كما يُنتظر أن يسهم في إثراء المكتبة العربية في مجال الدراسات الموسوعية المتعلقة بتاريخ الكون والإنسان من منظور عربي وإسلامي معاصر، في حقل ما يزال محدود الحضور مقارنة بنظيراته العالمية. ويعكس المشروع طموحًا لتقديم نموذج معرفي قادر على المنافسة من حيث المنهجية والطرح، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والدينية.
ولا ينفصل هذا المشروع عن المسار الثقافي الذي تتبناه إمارة الشارقة منذ عقود، بوصفها مركزًا فاعلًا في الإنتاج الثقافي والمعرفي في المنطقة، من خلال دعم المشاريع الفكرية الكبرى وتعزيز حضور الثقافة في المجتمع. ويأتي هذا العمل امتدادًا لهذا التوجه، بوصفه استثمارًا في المعرفة بوصفها أداة لبناء الإنسان وتطوير الوعي.
وفي الوقت نفسه، يثير المشروع تساؤلات حول قدرة هذا النوع من الأعمال الموسوعية على التفاعل مع العصر الرقمي، ومدى وصوله إلى جمهور واسع في ظل تغير عادات القراءة وتلقي المعرفة. غير أن شموليته ومنهجيته قد تمنحانه فرصة للانتشار، خاصة إذا ما قُدم بصيغ متعددة تواكب التحولات التقنية.
ومن زاوية أخرى، يطرح المشروع تحديًا يتعلق بالموازنة بين المرجعية الدينية والانفتاح على المناهج العلمية الحديثة، وهو تحدٍ ظل حاضرًا في كثير من محاولات كتابة التاريخ في السياق العربي والإسلامي. ويبدو أن هذا العمل يسعى إلى تقديم مقاربة تجمع بين هذين البعدين دون الوقوع في التبسيط أو التناقض.
وفي المحصلة، يمكن النظر إلى “الكون وأناسي كثيراً” بوصفه محاولة طموحة لإعادة قراءة تاريخ الكون والإنسان ضمن رؤية معرفية تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتفتح المجال أمام إعادة التفكير في عدد من المسلّمات المرتبطة بالسرد التاريخي والديني، بما قد يمنحه موقعًا متقدمًا ضمن أبرز المشاريع الثقافية العربية في السنوات المقبلة.
لندن – محمد فال معاوية




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *