الرئيسية/الشرق الأوسط/رسالة طهران عبر باكستان.. وترامب غير مقتنع
الشرق الأوسط

رسالة طهران عبر باكستان.. وترامب غير مقتنع

دخان يتصاعد عقب غارة جوية في بهارستان بمحافظة أصفهان في إيران
📸دخان يتصاعد عقب غارة جوية في بهارستان بمحافظة أصفهان في إيران
اليوم ميديا

في لحظات الحروب الكبرى، لا تُرسل الرسائل دائماً عبر القنوات الرسمية المباشرة، بل غالباً ما تمر عبر عواصم هادئة تلعب دور الوسيط. هذه المرة، اختارت طهران أن تمرر رسالتها إلى واشنطن عبر إسلام أباد، في خطوة تحمل في طياتها أكثر من مجرد عرض تفاوضي… إنها اختبار جديد لحدود الصراع.

المقترح الإيراني، وفق ما يتردد في الكواليس السياسية، ليس نسخة مكررة من عروض سابقة، بل صيغة محدثة تسعى إلى وضع “نقطة نهاية” للحرب الدائرة في الشرق الأوسط. عرضٌ يبدو في ظاهره دعوة لخفض التصعيد، لكنه في جوهره محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك.

لكن في واشنطن، لم يمر هذا العرض مروراً عادياً.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعروف بأسلوبه الصارم في التفاوض، لم يُبدِ ارتياحاً تجاه المقترح. رد الفعل لم يكن مجرد تحفظ دبلوماسي، بل إشارة واضحة إلى أن الفجوة بين الطرفين لا تزال أعمق مما يبدو على السطح.

هنا تبدأ القصة الحقيقية.

فبينما تُرسل طهران إشارات التهدئة، تتحدث في الوقت ذاته عن نجاح أنظمتها الدفاعية في التصدي لهجمات بطائرات مسيّرة وأهداف صغيرة. رسالة مزدوجة بامتياز: نحن منفتحون على التفاوض… لكننا أيضاً مستعدون للمواجهة.

هذا التوازن بين “الدبلوماسية والقوة” ليس جديداً في السلوك الإيراني، لكنه يكتسب اليوم أهمية مضاعفة في ظل طبيعة الحرب الحالية. لم تعد المعارك تُحسم فقط في ساحات القتال التقليدية، بل في القدرة على إدارة التوتر، والتحكم بإيقاع التصعيد.

في المقابل، ينظر ترامب إلى الأمور من زاوية مختلفة. بالنسبة له، أي عرض تفاوضي يجب أن يعكس “تنازلاً حقيقياً”، لا مجرد إعادة صياغة للمواقف السابقة. ومن هنا، قد يكون رفضه غير المعلن للمقترح الإيراني جزءاً من استراتيجية ضغط تهدف إلى انتزاع شروط أفضل.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا باكستان تحديداً؟

اختيار إسلام أباد كقناة لنقل الرسائل ليس صدفة. فباكستان تمتلك علاقات متوازنة نسبياً مع كل من واشنطن وطهران، ما يجعلها وسيطاً مناسباً في لحظات التوتر. كما أن موقعها الجغرافي والسياسي يمنحها قدرة على لعب دور “الجسر” بين أطراف يصعب أن يلتقوا مباشرة.

ومع ذلك، فإن الوساطة وحدها لا تكفي.

فالمشكلة الأساسية لا تكمن في غياب القنوات، بل في تضارب الرؤى. الولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق يحد من النفوذ الإيراني بشكل واضح، بينما ترى طهران أن أي تسوية يجب أن تعترف بدورها الإقليمي وتضمن مصالحها الأمنية.

وبين هذين الموقفين، تتحرك الأحداث على الأرض بوتيرة لا تسمح بكثير من الانتظار.

الهجمات بالطائرات المسيّرة، التي تحدثت عنها إيران، ليست مجرد تفاصيل عسكرية، بل جزء من مشهد أوسع يعكس طبيعة الصراع الحديث. أدوات صغيرة، تكلفة منخفضة، وتأثير قد يكون كبيراً… إنها معادلة تعقّد حسابات القوى الكبرى.

وهذا ما يجعل أي مفاوضات أكثر حساسية.

ففي الماضي، كانت الاتفاقات تُبنى على توازنات واضحة بين جيوش ودول. أما اليوم، فالمعادلة أكثر تعقيداً، حيث يمكن لأدوات غير تقليدية أن تغيّر مسار الأحداث بسرعة. وبالتالي، فإن أي اتفاق لا يأخذ هذه التحولات بعين الاعتبار، قد يكون هشاً منذ لحظة توقيعه.

في هذا السياق، يبدو أن كلا الطرفين يلعب لعبة “الوقت”.

طهران تحاول إظهار مرونة محسوبة، ربما لامتصاص الضغوط أو كسب تعاطف دولي. وواشنطن، من جانبها، تستخدم الرفض كوسيلة لزيادة الضغط ودفع إيران إلى تقديم المزيد من التنازلات.

لكن هذه اللعبة ليست بلا مخاطر.

فكل تأخير في التوصل إلى تفاهم، يعني مزيداً من التصعيد على الأرض، ومزيداً من التعقيد في المشهد الإقليمي. ومع تداخل المصالح الدولية في المنطقة، قد تتحول أي شرارة صغيرة إلى أزمة أوسع.

ورغم ذلك، يبقى باب التفاوض مفتوحاً… ولو جزئياً.

فالتاريخ يظهر أن حتى أشد الخصوم يمكن أن يجلسوا إلى الطاولة في اللحظة المناسبة. لكن تلك اللحظة، غالباً ما تأتي بعد أن يصل الجميع إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار في الصراع أصبحت أعلى من كلفة التسوية.

حتى الآن، لا يبدو أن هذه القناعة قد اكتملت.

لذلك، فإن الرسالة الإيرانية عبر باكستان قد لا تكون نهاية الطريق، بل مجرد محطة في مسار طويل ومعقد من الشد والجذب.

وفي عالم السياسة، كما في الحروب، لا تُقاس الأمور بما يُقال فقط… بل بما يُخفى أيضاً.

"
في لحظات الحروب الكبرى، لا تُرسل الرسائل دائماً عبر القنوات الرسمية المباشرة، بل غالباً ما تمر عبر عواصم هادئة تلعب دور الوسيط. هذه المرة، اختارت طهران أن تمرر رسالتها إلى واشنطن عبر إسلام أباد، في خطوة تحمل في طياتها أكثر من مجرد عرض تفاوضي… إنها اختبار جديد لحدود الصراع. المقترح الإيراني، وفق ما يتردد في
— اليوم ميديا / الشرق الأوسط

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقاتلين حوثيين موالين لإيران وهم يهاجمون قوات مدعومة من السعودية في موقع ذكره المصدر بأنه محافظة الجوف في اليمن

الحوثيون يتقدمون نحو كهبوب.. وترامب يتراجع عن ضربات

تتحول مرتفعات كهبوب جنوب غربي اليمن إلى واحدة من أكثر نقاط الصراع حساسية، مع محاولة الحوثيين التقدم للسيطرة على المرتفعات التي تفصل الساحل الغربي عن مناطق تخضع للقوات الحكومية المدعومة من السعودية. وبحسب خمسة مصادر عسكرية يمنية تحدثت إلى رويترز، يسعى الحوثيون إلى السيطرة على جبال كهبوب الواقعة بين محافظتي تعز ولحج، في محاولة لتأمين

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الدخان يتصاعد من مستودع أسلحة عقب انفجار وقع في الريف الجنوبي لحلب بسوريا

رابع انفجار في شهر.. ماذا يحدث بسوريا؟

هزّت سلسلة منالانفجارات مستودع أسلحة تابعًا للجيش في ريف حلب الجنوبي، فجر الاثنين، ما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص ودفع سكان القرى القريبة إلى الفرار، في رابع حادث من هذا النوع تشهده سوريا خلال سبتمبر الجاري، وفقًا لرويترز. وقع الانفجار بالقرب من بلدة العيس في محافظة حلب، وسُمعت أصوات الانفجارات في البلدات المجاورة، فيما تصاعدت

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
أفراد من قوات الباسيج الإيرانية يحملن لافتة مناهضة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء المشاركة في عرض عسكري في طهران

إيران تلوّح بأسلحة وأهداف جديدة

لوّحت إيران بتغيير طبيعة ردها العسكري إذا شنت الولايات المتحدة هجومًا جديدًا عليها، في رسالة تتجاوز الحديث عن الرد على أهداف سبق استهدافها، إلى التلويح باستخدام أسلحة جديدة وتوسيع نطاق جغرافيا المواجهة. ونقلت وكالة «فارس» الإيرانية عن المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، قوله إن طهران ستستخدم أسلحة جديدة وستستهدف مواقع لم تتعرض لهجمات سابقة

لندن - اليوم ميديا
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
الدخان يتصاعد من منطقة تخزين الوقود في مطار الملك خالد الدولي بالرياض

إيران تهدد.. والحوثيون يصلون إلى الرياض.. إلى أين تتجه الحرب؟

تتسع خريطة التصعيد في الشرق الأوسط مع دخول السعودية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، بالتزامن مع تبادل الولايات المتحدة وإيران تهديدات جديدة، فيما حذرت واشنطن من احتمال تصعيد غير متوقع في المنطقة. وقالت القيادة المركزية العسكرية الإيرانية، الأحد، إن أي هجوم أميركي جديد على إيران سيقابل برد قوي ومتواصل يستهدف القواعد والمصالح الأميركية، مضيفة أن

لندن - عمر فهد العلي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة