الرئيسية/التحليلات/شريان التجارة الهش.. كيف تحوّلت موانئ شرق الإمارات إلى طوق نجاة للخليج؟
التحليلات

شريان التجارة الهش.. كيف تحوّلت موانئ شرق الإمارات إلى طوق نجاة للخليج؟

سفينة شحن ترسو في ميناء الفجيرة بالإمارات
📸سفينة شحن ترسو في ميناء الفجيرة بالإمارات
اليوم ميديا

في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف.

هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات الطاقة العالمية. وبينما تعيش المنطقة على وقع التصعيد العسكري المتواصل، تحولت هاتان المدينتان الساحليتان إلى شريان حياة اقتصادي للإمارات ودول خليجية أخرى وجدت نفسها أمام واقع بحري شديد الهشاشة، بحسب تقرير لرويترز.

في ميناء الفجيرة، كانت الصورة تختصر حجم التحول. سيور ضخمة تنقل الحبوب من سفن الشحن العملاقة، وأنابيب النفط تعمل بأقصى طاقتها لدفع الخام نحو الناقلات الراسية، فيما تصطف مئات الشاحنات المحملة بالبضائع في طوابير طويلة داخل الميناء وخارجه.

أما في عرض البحر، فتقف سفن حاويات عملاقة تحمل أسماء شركات شحن دولية بانتظار دورها للرسو، بينما تتحرك قوارب الخدمة بينها في مشهد يعكس ضغطا غير مسبوق على المرافق اللوجستية في الساحل الشرقي للإمارات.

هذا التحول لم يأت من فراغ، بل فرضته الحرب والتوترات التي دفعت الملاحة داخل الخليج إلى حافة الاختناق، بعدما أصبح المرور عبر مضيق هرمز محفوفا بالمخاطر. ومع تعطل أجزاء واسعة من حركة السفن في الموانئ الغربية المطلة على الخليج العربي، وجدت الإمارات نفسها مضطرة للاعتماد بشكل شبه كامل على موانئها الشرقية المطلة مباشرة على بحر العرب.

وخلال أسابيع قليلة فقط، قفزت صادرات النفط الخام عبر الفجيرة بنسبة 38 بالمئة، لتقترب من الحد الأقصى للطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب الذي ينقل نفط أبوظبي بعيدا عن مضيق هرمز.

هذا الخط الاستراتيجي، الممتد من الحقول النفطية الداخلية حتى ساحل الفجيرة، بات يمثل الرئة الأساسية لصادرات الطاقة الإماراتية، إذ يسمح بتجاوز المضيق المهدد باستمرار، والحفاظ على تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.

لكن التحول الأكبر ظهر في خورفكان.

الميناء الذي كان معروفا تاريخيا كمحطة للشحن العابر، وجد نفسه فجأة يتحول إلى بوابة رئيسية لواردات الإمارات والمنطقة بأكملها. أعداد الحاويات ارتفعت بصورة صادمة، وحركة الشاحنات تضاعفت بشكل غير مسبوق، فيما اضطرت الشركات المشغلة إلى توظيف مئات العمال خلال أيام قليلة فقط لمواكبة الانفجار في الطلب.

شركة “جلفتينر” المشغلة للميناء تحدثت عن قفزة هائلة في عدد الحاويات الأسبوعية، بعدما تحول خورفكان إلى مركز لاستقبال كل شيء، من المواد الغذائية وحتى المستلزمات الطبية.

وتكشف حركة النقل البري حجم الأزمة التي تعيشها المنطقة. قبل الحرب، كانت الشاحنات التي تغادر الميناء يوميا تعد بالعشرات أو المئات، أما اليوم فقد أصبحت بالآلاف، في مؤشر واضح على انتقال جزء ضخم من التجارة الخليجية إلى هذا الممر البحري الجديد.

ورغم هذا الزخم، فإن القلق لا يغيب عن المشهد.

فالضربة الإيرانية الأخيرة التي استهدفت منطقة الفجيرة البترولية أعادت التذكير بحقيقة شديدة الخطورة، وهي أن الموانئ التي أنقذت التجارة الخليجية يمكن أن تتحول بدورها إلى أهداف مباشرة في أي لحظة.

الهجوم الذي أدى إلى اندلاع حريق في منشأة طاقة وإصابة عدد من العمال، لم يكن مجرد حادث عابر، بل رسالة استراتيجية حملت دلالات عميقة بشأن هشاشة البنية التحتية الجديدة التي تعتمد عليها المنطقة.

وقبل ساعات فقط من الضربة، كانت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني تنشر خريطة تظهر توسيع نطاق سيطرتها البحرية باتجاه الساحل الشرقي للإمارات، بما يشمل الفجيرة وخورفكان، في خطوة قرأها مراقبون باعتبارها تحذيرا مباشرا بأن البدائل الخليجية عن مضيق هرمز ليست بعيدة عن مرمى التهديد.

ورغم استمرار العمل في الميناءين دون توقف حتى الآن، فإن شركات الشحن والخدمات اللوجستية تتعامل بحذر شديد مع التطورات المتسارعة.

الازدحام أصبح السمة الأبرز، لكن البدائل تبدو محدودة للغاية.

فالإمارات، بحكم امتلاكها منفذا مباشرا على بحر العرب، تملك ميزة جغرافية لا تتوفر بسهولة لدول خليجية أخرى مثل الكويت وقطر والبحرين، التي ما تزال تعتمد بحريا على المرور عبر مضيق هرمز أو اللجوء إلى النقل البري المكلف عبر السعودية.

حتى السعودية نفسها، التي تمتلك منفذا على البحر الأحمر وخط أنابيب استراتيجيا ينقل النفط إلى ميناء ينبع، لم تكن بمنأى عن المخاطر، بعدما تعرضت منشآت مرتبطة بخطوط الطاقة لهجمات خلال الأشهر الماضية.

كل ذلك جعل من الفجيرة وخورفكان أكثر من مجرد موانئ إماراتية، بل عقدتين محوريتين في شبكة التجارة والطاقة الخليجية بأكملها.

ومع استمرار الأزمة، بدأت الخطط طويلة الأمد تظهر إلى العلن.

هناك مشروع جديد يجري التحضير له بالقرب من خورفكان، يتمثل في إنشاء مركز لوجستي ضخم في منطقة الذيد، يرتبط بالميناء عبر شبكة طرق وسكك حديدية، بهدف تخزين الحاويات والبضائع وإعادة توزيعها داخل الدولة وخارجها.

المشروع، الذي تتجاوز تكلفة مرحلته الأولى 100 مليون دولار، يعكس قناعة متزايدة بأن التحولات الحالية قد لا تكون مؤقتة، وأن خارطة التجارة في الخليج ربما تدخل مرحلة جديدة يعاد فيها رسم طرق الإمداد بعيدا عن النقاط الأكثر خطورة.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأصعب بلا إجابة واضحة: هل تستطيع هذه الموانئ الصمود إذا اتسعت دائرة المواجهة في الخليج؟

الإجابة تبدو معلقة بين قدرة المنطقة على حماية شرايينها الاقتصادية، وبين احتمالات التصعيد التي قد تجعل حتى البدائل الآمنة نسبيا أهدافا مباشرة للصراع.

وفي عالم يعتمد على تدفق النفط والبضائع دون توقف، تبدو الفجيرة وخورفكان اليوم وكأنهما يقفان على خط التماس بين التجارة والحرب، بين الازدهار والخطر، وبين الاستقرار الاقتصادي واحتمالات الانفجار الكبير.

"
في شرق الإمارات، وعلى امتداد الساحل المطل على بحر العرب والمحيط الهندي، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية حساسية في الخليج، ليس بالسلاح هذه المرة، بل بالموانئ وخطوط الإمداد والشاحنات التي لا تتوقف. هناك، في مينائي الفجيرة وخورفكان، يتشكل المشهد الجديد للتجارة الخليجية بعد أن أصبح مضيق هرمز ساحة توتر مفتوحة تهدد حركة السفن وإمدادات
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة