الرئيسية/التحليلات/هل انتهى شهر العسل بين واشنطن وتل أبيب؟
التحليلات

هل انتهى شهر العسل بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مار-آلاغو بفلوريدا
📸الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منتجع مار-آلاغو بفلوريدا
اليوم ميديا

بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه تحقيق للحلم الإسرائيلي الأكبر؛ طائرات أمريكية وإسرائيلية تعمل جنباً إلى جنب، وتنسيق عسكري غير مسبوق، وتفاهم سياسي بلغ مستويات لم تعرفها العلاقات بين البلدين منذ قيام إسرائيل. لكن خلف هذه الصورة التي توحي بالقوة المطلقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة قد تنتهي بانهيار أحد أكثر التحالفات تأثيراً في الشرق الأوسط والعالم.

وبحسب مجلة “فورين بوليسي”، فإن نتنياهو يبدو اليوم أقرب من أي زعيم إسرائيلي سابق إلى تحقيق الحلم الذي راود ديفيد بن غوريون منذ تأسيس إسرائيل: ضمان أمريكي دائم لبقاء الدولة العبرية. لكن المفارقة الصادمة أن اللحظة التي تبدو فيها العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في أوج قوتها قد تتحول إلى نقطة الانطلاق نحو أفول “التحالف الخاص” الذي صمد لعقود طويلة.

فعلى مدى عقود طويلة، استند ما عرف بـ”التحالف الخاص” إلى ثلاثة أعمدة رئيسية: توافق سياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقوة هائلة للوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل واشنطن، وإيمان أمريكي واسع بوجود قيم مشتركة تجمع المجتمعين الأمريكي والإسرائيلي.

لكن هذه الأعمدة بدأت تتصدع بصورة متسارعة.

اللوبي المؤيد لإسرائيل، الذي كان يوصف بأنه قوة لا يمكن تحديها داخل الكونغرس، لم يعد يتمتع بالنفوذ نفسه. فقد واجه أولاً انتقادات متزايدة من الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، قبل أن يجد نفسه في مواجهة تيار انعزالي صاعد داخل معسكر “ماغا” الجمهوري، يرى أن المصالح الأمريكية يجب أن تأتي أولاً حتى لو كان الثمن إعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل.

وفي الوقت ذاته، شهد الرأي العام الأمريكي تحولاً لافتاً. فبحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، تراجع الاعتقاد بأن دعم إسرائيل يخدم المصالح الأمريكية، فيما أظهرت قطاعات واسعة، خصوصاً بين الشباب، تعاطفاً متزايداً مع الفلسطينيين، في تحول غير مسبوق مقارنة بالعقود الماضية.

هذا التغيير لم يكن وليد اللحظة. فقد بدأ قبل هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلا أن الحرب في غزة وما رافقها من دمار واسع النطاق، والحصار والتجويع، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، ساهمت في تسريع وتيرة التحولات داخل المجتمع الأمريكي، خاصة مع الانتشار الهائل للصور ومقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

كما لم تعد فكرة “القيم المشتركة” تلقى القبول السابق. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة أكثر تنوعاً ثقافياً ودينياً، اتجه المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من المحافظة والانغلاق، ما عمق الفجوة بين قطاعات واسعة من الأمريكيين والإسرائيليين.

تاريخياً، لم تكن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب على هذه الدرجة من الخصوصية. فرغم اعتراف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بإسرائيل فور تأسيسها، فإن رؤساء أمريكيين مثل دوايت أيزنهاور وجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأب لم يترددوا في معارضة سياسات إسرائيل عندما تعارضت مع المصالح الأمريكية.

غير أن نهاية الحرب الباردة، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر، دفعت باتجاه تعزيز التحالف، إذ اعتبر الطرفان أنهما يواجهان تهديدات مشتركة ضمن ما عرف بالحرب على الإرهاب.

لكن نقطة التحول الكبرى جاءت عام 2015، عندما خاض نتنياهو مواجهة مفتوحة مع إدارة الرئيس باراك أوباما بسبب الاتفاق النووي مع إيران. آنذاك، تجاوز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأعراف السياسية الأمريكية، ووجه انتقادات مباشرة للرئيس الأمريكي من داخل الكونغرس، في خطوة رأى كثيرون أنها نسفت ما تبقى من الإجماع الحزبي التقليدي الداعم لإسرائيل.

ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تعمق الانقسام أكثر. فقد اتخذت الإدارة الأمريكية سلسلة قرارات غير مسبوقة لصالح إسرائيل، شملت نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ما عزز ارتباط إسرائيل باليمين الجمهوري على حساب الدعم التقليدي العابر للأحزاب.

في المقابل، نشأ جيل أمريكي جديد لا يعرف سوى إسرائيل نتنياهو. جيل أكثر تنوعاً وانفتاحاً، لا يحمل الارتباط العاطفي نفسه بسردية المحرقة، ويرى القضية الفلسطينية من منظور العدالة وحقوق الإنسان. بل إن عدداً متزايداً من اليهود الأمريكيين أنفسهم باتوا يرفضون اعتبار دعم إسرائيل جزءاً أساسياً من هويتهم السياسية.

وفي الضفة الأخرى، يتنامى داخل التيار المحافظ الأمريكي صوت يطالب بإعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل، ليس بدافع التضامن مع الفلسطينيين، بل انطلاقاً من رفض الانخراط في نزاعات خارجية وتحميل دافعي الضرائب الأمريكيين أعباء لا تخدم مصالحهم المباشرة.

هذه التحولات مجتمعة دفعت مراقبين إلى الاعتقاد بأن الإجماع الأمريكي المؤيد لإسرائيل يقترب من نهايته، وأن الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأمريكية عام 2028 قد تشكل اختباراً حقيقياً لمستقبل الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل.

أما نتنياهو، الذي يتحدث اليوم عن إمكانية تقليص المساعدات الأمريكية باعتبارها خطوة مخططة من جانبه، فيبدو أنه يحاول استباق واقع سياسي جديد بات يصعب تجاهله.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل يدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي أنه ربما يكون أكثر من ساهم، بسياساته وتحالفاته وخياراته، في تسريع أفول التحالف الذي اعتبرته إسرائيل لعقود صمام أمان وجودها؟

إذا كانت الحرب والتنسيق العسكري الحاليان يمثلان ذروة “التحالف الخاص”، فإن ما قد يأتي بعدهما ربما يكون بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها مكانة إسرائيل داخل الوعي السياسي الأمريكي، لتجد نفسها أمام عالم مختلف تماماً عما عرفته طوال العقود الماضية.

"
بدا المشهد خلال الأشهر الماضية وكأنه تحقيق للحلم الإسرائيلي الأكبر؛ طائرات أمريكية وإسرائيلية تعمل جنباً إلى جنب، وتنسيق عسكري غير مسبوق، وتفاهم سياسي بلغ مستويات لم تعرفها العلاقات بين البلدين منذ قيام إسرائيل. لكن خلف هذه الصورة التي توحي بالقوة المطلقة، تتشكل قصة مختلفة تماماً؛ قصة قد تنتهي بانهيار أحد أكثر التحالفات تأثيراً في الشرق
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة