
في توقيت بالغ الحساسية، تحركت القاهرة سريعاً نحو مقديشيو حاملة رسالة سياسية واضحة لا تحتمل التأويل: وحدة الصومال خط أحمر، وأي خطوات أحادية تمس سيادته أو تعيد رسم خرائط المنطقة خارج إطار الشرعية الدولية مرفوضة تماماً.
فقد أجرى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الإفريقية، محمد كريم شريف، زيارة رسمية إلى العاصمة الصومالية مقديشيو، التقى خلالها عدداً من كبار المسؤولين الصوماليين، في تحرك جاء بعد أيام قليلة من خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة تمثلت في زيارة رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي إلى إسرائيل، وإعلانه افتتاح سفارة للإقليم في القدس.
الزيارة المصرية لم تكن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل حملت رسائل سياسية وأمنية متعددة الأبعاد، خصوصاً أن إسرائيل تعد الدولة الوحيدة التي تتعامل مع إقليم أرض الصومال بوصفه كياناً مستقلاً، رغم أن الإقليم أعلن انفصاله من جانب واحد عن جمهورية الصومال منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، دون أن يحظى بأي اعتراف دولي رسمي.
وأكد الوفد المصري خلال مباحثاته في مقديشيو أن موقف القاهرة تجاه الصومال ثابت ولم يتغير، ويتمثل في دعم وحدة البلاد واستقرارها وسلامة أراضيها، ومساندة جهود الحكومة الصومالية في بناء مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدراتها.
وشددت وزارة الخارجية المصرية على رفض وإدانة أي إجراءات أحادية تستهدف المساس بوحدة الصومال أو الانتقاص من سيادته الوطنية، معتبرة أن مثل هذه الخطوات تمثل تهديداً لاستقرار المنطقة بأكملها.
وفي موقف لافت، خص البيان المصري بالذكر زيارة رئيس إقليم أرض الصومال إلى إسرائيل وافتتاح ما وصفه بـ”السفارة المزعومة” في القدس الشرقية، مؤكداً أن هذه الخطوة تمثل مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي، كما تمس الوضعية القانونية والتاريخية للقدس المحتلة.
وتجاوزت المباحثات المصرية الصومالية حدود الملف السياسي، لتشمل ملفات أمنية واستراتيجية مرتبطة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، في ظل تصاعد التحديات التي تواجه أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
واتفق الجانبان على أهمية تعزيز التعاون المشترك لحماية أمن البحر الأحمر، ودعم الجهود الرامية إلى تفعيل مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، إلى جانب دعم مبادرة السويس والبحر الأحمر للتنمية الاقتصادية والبحرية، مع تنسيق المواقف لمواجهة محاولات نشر الفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
وأكدت القاهرة ومقديشيو أن مسؤولية حماية البحر الأحمر والحفاظ على أمنه واستقراره تقع حصرياً على عاتق الدول المطلة عليه، باعتبارها الأطراف الأكثر تأثراً بأي تهديدات أو تحولات جيوسياسية قد تطال هذا الشريان الحيوي للتجارة العالمية.
كما تناولت اللقاءات تطورات مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، إضافة إلى بحث سبل توسيع التعاون الثنائي في مجالات الأمن والدفاع ومكافحة الإرهاب والثروة السمكية والبترول والثروة المعدنية والاستثمار والصناعة والنقل البحري والجوي.
ولم تغفل الزيارة الجانب التنموي، إذ استعرض الوفد المصري احتياجات الصومال في مجالات التدريب وبناء القدرات ورفع الكفاءة، تمهيداً لدمجها ضمن البرامج التي تنظمها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية والمؤسسات المصرية المتخصصة.
ويرى مراقبون أن التحرك المصري السريع يعكس إدراكاً متزايداً لحساسية المتغيرات التي يشهدها القرن الإفريقي، خاصة في ظل التنافس الإقليمي والدولي المتصاعد على النفوذ في منطقة تتحكم في طرق التجارة العالمية وتؤثر بشكل مباشر في أمن البحر الأحمر.
وبينما تتواصل التحركات السياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، تبدو القاهرة حريصة على تثبيت معادلة واضحة مفادها أن الحفاظ على وحدة الدول واحترام سيادتها يظل أساساً لا يمكن تجاوزه، وأن أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي جزء لا يتجزأ من أمنها القومي واستقرار المنطقة بأسرها.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *