الرئيسية/التحليلات/موسم “قطف رؤوس الفساد” يهزّ العراق.. هل ينجح الزيدي في المعركة الأصعب؟
التحليلات

موسم “قطف رؤوس الفساد” يهزّ العراق.. هل ينجح الزيدي في المعركة الأصعب؟

علي الزبيدي يقود حملة مكافحة الفساد في العراق.
📸علي الزبيدي يقود حملة مكافحة الفساد في العراق.
اليوم ميديا

في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث.

لم تكن العملية، كما اعتاد العراقيون في السنوات الماضية، مرتبطة باشتباك عشائري أو تهديد أمني أو قمة سياسية طارئة، بل كانت بداية حملة قضائية–أمنية وُصفت إعلاميًا بأنها “موسم قطف رؤوس الفساد”.

اعتقالات تهز الطبقة السياسية

مع الساعات الأولى من صباح العملية، بدأت تتكشف ملامح حملة غير مسبوقة. إذ تم اعتقال نحو 47 مسؤولًا حكوميًا رفيع المستوى، بينهم نواب حاليون، ومستشارون، وشخصيات سياسية بارزة، في خطوة أعادت إلى الواجهة سؤالًا كبيرًا: هل دخل العراق فعلًا مرحلة مواجهة الفساد أم أنه أمام تصفية سياسية معقدة؟

وتأتي هذه التطورات في ظل تعهد رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي تولى منصبه في مايو/أيار 2026، بإطلاق معركة شاملة ضد الفساد، وهو الملف الذي ظل لعقود أحد أكثر التحديات استعصاءً في الدولة العراقية، رغم وعود الحكومات المتعاقبة.

دستور مُفعّل في لحظة سياسية حساسة

ما ميز هذه الحملة، وفق خبراء قانونيين، هو استغلالها لفجوة دستورية سمحت برفع الحصانة عن عدد من النواب خلال العطلة التشريعية. وبحسب الباحث القانوني مصطفى أحمد، فإن المادة 63/ثانيًا/ج من الدستور العراقي أتاحت تمرير إجراءات سريعة دون الدخول في تعقيدات التصويت البرلماني، وهو ما منح الحكومة والقضاء مساحة تحرك غير مسبوقة.

هذا التسارع في الإجراءات، وفق مراقبين، كان عاملًا حاسمًا في منع تسريب أوامر الاعتقال، وإرباك شبكات يُعتقد أنها تمتلك نفوذًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة وخارجها.

العراق.. دولة في مواجهة “الفساد البنيوي”

لا تأتي هذه الحملة في فراغ. فالعراق يُصنّف ضمن الدول الأكثر معاناة من الفساد عالميًا، إذ يحتل المرتبة 140 من أصل 180 دولة وفق مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، بدرجة 26 من 100، ما يعكس حجم الأزمة المتجذرة في البنية الإدارية والسياسية.

ومع توقف جزئي لصادرات النفط، وضغوط دولية متزايدة على الحكومة العراقية، تبدو البلاد أمام لحظة اختبار حقيقية بين الإصلاح والانهيار.

(النزاهة تضبط ثلاثة متهمين استولوا على عقارات عائدة للدولة في نينوى)

كرة الثلج: من تحقيق فردي إلى شبكة واسعة

بحسب تقارير وتحليلات سياسية، بدأت الحملة باعتقال مسؤول بارز في وزارة النفط، قبل أن تتوسع التحقيقات لتكشف ما يشبه “شبكة مالية معقدة” مرتبطة بتمويلات سياسية، وغسيل أموال، وتحويلات غير قانونية، إضافة إلى ممتلكات ضخمة وعقارات وأصول مالية تم ضبط بعضها داخل بغداد.

ويرى محللون أن هذه التطورات تشبه “كرة ثلج” بدأت صغيرة ثم تضخمت لتصل إلى مستويات سياسية عليا، ما جعلها واحدة من أخطر ملفات الفساد في السنوات الأخيرة.

انتقائية أم بداية تفكيك المنظومة؟

ورغم حجم الاعتقالات، تبرز تساؤلات حساسة حول ما إذا كانت الحملة تستهدف جميع أطراف منظومة الفساد أم أنها انتقائية.

فحتى الآن، لم تشمل الحملة شخصيات تُتهم بالارتباط المباشر بشبكات مسلحة أو مكاتب اقتصادية نافذة، ما يفتح الباب أمام جدل واسع حول حدودها الحقيقية.

ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في توسيع نطاق التحقيقات سيحدد مصير هذه الحملة، بين كونها إصلاحًا جذريًا أو مجرد موجة سياسية مؤقتة.

مخاوف من رد فعل سياسي وأمني

في المقابل، يحذر خبراء من أن أي توسع في الاعتقالات قد يثير ردود فعل من قوى سياسية تمتلك نفوذًا واسعًا وأذرعًا إعلامية وأمنية، ما قد يضع البلاد أمام مرحلة توتر جديدة.

كما لا يُستبعد، وفق تقديرات سياسية، أن يتم لاحقًا احتواء الحملة عبر تسويات أو تشريعات مثيرة للجدل، وهو ما قد يضعف أثرها على المدى البعيد.

اقتصاد منهك وضغوط خارجية

تأتي هذه الحملة بينما يواجه العراق أزمة اقتصادية خانقة، مع مديونية مرتفعة وتراجع في الإيرادات النفطية، إلى جانب ضغوط دولية، خاصة من الولايات المتحدة، تطالب بإجراءات صارمة ضد تهريب الأموال ونفوذ الفصائل المسلحة.

هذه العوامل مجتمعة جعلت الحكومة العراقية تتحرك في مساحة سياسية ضيقة للغاية، بين متطلبات الإصلاح وضغوط الواقع الداخلي المعقد.

هل ينجح الزيدي في المعركة؟

رغم ضخامة العملية، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع رئيس الوزراء علي الزيدي تفكيك منظومة فساد متجذرة منذ عقود؟

يرى بعض الخبراء أن ما جرى يمثل بداية حقيقية لمسار إصلاحي، بينما يحذر آخرون من أن الطريق ما زال طويلًا، وأن مواجهة “حيتان الفساد” تتطلب إرادة سياسية تتجاوز الاعتقالات الفردية لتصل إلى البنية العميقة للنظام المالي والسياسي في البلاد.

العراق يقف اليوم على مفترق طرق حاسم. فإما أن تتحول هذه الحملة إلى نقطة تحول تاريخية في مواجهة الفساد، أو أن تُضاف إلى سلسلة محاولات سابقة انتهت دون تغيير جذري.

وفي كل الأحوال، فإن ما جرى في فجر بغداد لم يكن حدثًا عابرًا، بل رسالة سياسية وأمنية بأن مرحلة جديدة قد بدأت… لكن نهايتها لا تزال غير مكتوبة.

  • تقرير خاص – اليوم ميديا (لندن)

"
في مشهد غير مألوف منذ عام 2003، استفاق العراقيون فجر الأحد 28 يونيو على تحركات أمنية غير اعتيادية داخل العاصمة بغداد. أرتال من جهاز مكافحة الإرهاب تحركت بصمت نحو “المنطقة الخضراء”، حيث تُحكم المفاصل السياسية والأمنية الأكثر حساسية في البلاد، لتغلق منافذها وتطلق عملية وُصفت بأنها الأوسع والأكثر سرية في تاريخ العراق الحديث. لم تكن
— اليوم ميديا / التحليلات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة