الرئيسية/التحليلات/هرمز وباب المندب.. أزمة واحدة تهدد طرق النفط والتجارة العالمية
التحليلات

هرمز وباب المندب.. أزمة واحدة تهدد طرق النفط والتجارة العالمية

هرمز وباب المندب.. عقدتا الطاقة والتجارة العالمية
📸هرمز وباب المندب.. عقدتا الطاقة والتجارة العالمية
اليوم ميديا

اليمن – أنس محمد العريقي

لم تعد اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط محصورة في مضيق واحد. ففي وقت تراجعت فيه حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، تصاعدت المخاطر على الساحل الغربي لليمن بعد سيطرة جماعة الحوثيين على مدينة وميناء المخا، قرب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن.

وتضع هذه التطورات ممرين استراتيجيين أمام اختبار متزامن، بما يرفع مخاطر اضطراب حركة النفط والتجارة، ويجعل تكلفة النقل والتأمين وإعادة توجيه السفن عاملًا أكثر تأثيرًا في الأسواق العالمية.

هرمز.. اختناق في قلب سوق الطاقة

أظهرت بيانات تتبع السفن، بحسب وكالة رويترز في 10 سبتمبر 2026، أن سبع سفن فقط عبرت مضيق هرمز في ذلك اليوم، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 15 سفينة يوميًا خلال الأيام العشرة السابقة.

وأوضحت رويترز أن الحركة المسجلة في ذلك اليوم شملت خمس سفن دخلت المضيق وسفينتين خرجتا منه، بينما لم تسجل البيانات عبور ناقلات للغاز الطبيعي المسال. وحذرت الوكالة من أن بيانات التتبع قد لا تشمل جميع السفن، إذ يمكن لبعضها إيقاف أجهزة التعريف الآلي AIS.

وتكمن أهمية هرمز في أنه يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط تدفقات النفط عبر المضيق 20.9 مليون برميل يوميًا خلال النصف الأول من عام 2025، بما يعادل نحو 20% من استهلاك السوائل النفطية عالميًا في تلك الفترة.

لكن الصورة في عام 2026 أصبحت أكثر اضطرابًا. وبحسب أحدث تقرير لإدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادر في 9 سبتمبر 2026، لا تزال تدفقات النفط عبر مضيقي هرمز وباب المندب مقيدة ومتقلبة، فيما بلغ متوسط توقفات إنتاج النفط في المنطقة 6.7 مليون برميل يوميًا خلال أغسطس.

باب المندب.. الخطر على الطريق البحري

في الجهة الأخرى، تصاعدت المخاطر عند باب المندب بعد سيطرة الحوثيين على مدينة وميناء المخا في اليمن، في تطور يقرب الجماعة من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في المنطقة.

وبحسب رويترز، فإن باب المندب، الواقع بين اليمن من جهة وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، يمثل ممرًا رئيسيًا للسفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس، ويمر عبره ما يقدر بنحو 7% من إنتاج النفط العالمي.

وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن باب المندب يمثل أيضًا طريقًا مهمًا للتجارة العالمية، إذ تمر عبر المنطقة نسبة كبيرة من حركة التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، مشيرة إلى أن السيطرة الحوثية على المخا ترفع المخاطر على الملاحة في البحر الأحمر.

لكن من المهم التمييز بين الأهمية الاستراتيجية لباب المندب وبين حجم النفط الذي يمر عبره فعليًا في الظروف الراهنة.

ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تراجعت تدفقات النفط عبر باب المندب بشكل كبير بعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023، قبل أن ترتفع مجددًا خلال عام 2026. وبلغ متوسط التدفقات عبر المضيق نحو 8.1 مليون برميل يوميًا في الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بنحو 5.6 مليون برميل يوميًا في الربع الأول، وفق بيانات تتبع الناقلات التي استندت إليها الإدارة الأميركية.

أزمة ممرات أم أزمة شبكة؟

هنا تكمن أهمية التطورات الحالية. في الظروف الطبيعية، تستطيع شركات الشحن والطاقة إعادة توجيه السفن عند تعرض أحد الممرات للخطر. لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تتزامن المخاطر في هرمز والبحر الأحمر.

وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن تحويل السفن بعيدًا عن باب المندب والبحر الأحمر باتجاه رأس الرجاء الصالح يؤدي إلى زيادة المسافة والوقت والتكلفة، كما يمكن أن يرفع تكاليف الشحن وأسعار الطاقة.

وتظهر بيانات رويترز حجم المفارقة الحالية بوضوح؛ ففي اليوم الذي هبطت فيه حركة السفن عبر هرمز إلى سبع سفن، سجل باب المندب 26 حركة لسفن السلع الأساسية، وهو مستوى قريب من متوسط الحركة خلال الأيام العشرة السابقة.

وهذا يعني أن الحديث عن «أزمة واحدة» لا يعني أن المضيقين مغلقان في الوقت نفسه، بل أن الضغط على أحد المسارين يزيد أهمية المسارات الأخرى، بينما تجعل المخاطر الأمنية إعادة توجيه التجارة أكثر تكلفة وتعقيدًا.

السعودية.. البدائل موجودة ولكنها ليست بلا مخاطر

تمتلك السعودية خيارات لتقليل اعتماد صادراتها النفطية على مضيق هرمز، من بينها شبكة خطوط الأنابيب والموانئ الواقعة على ساحل البحر الأحمر.

ومن بين هذه الخيارات ميناء ينبع، الذي يمثل منفذًا مهمًا لصادرات النفط السعودية بعيدًا عن هرمز.

وبحسب بيانات تتبع الناقلات التي أوردتها رويترز، ارتفعت تحميلات الخام والمكثفات من ينبع في أوائل سبتمبر إلى نحو 3.7 مليون برميل يوميًا، مقارنة بنحو 3.2 مليون برميل يوميًا في أغسطس، وفق تقديرات شركة Vortexa.

وتشير هذه الزيادة إلى أهمية المسارات البديلة في تخفيف آثار اضطراب حركة الملاحة عبر هرمز.

لكن هذه البدائل ليست محصنة تمامًا من المخاطر. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، أدت الهجمات المرتبطة بالحوثيين على صادرات السعودية عبر باب المندب إلى انخفاض صادرات ينبع في أغسطس بنحو النصف مقارنة بيوليو، قبل أن تبدأ حركة الشحن في التكيف مع الظروف الجديدة.

وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية: قد توفر السعودية مسارات بديلة لتجاوز هرمز، لكن أمن هذه المسارات يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار البحر الأحمر وباب المندب.

النفط ليس وحده في دائرة الخطر

لا تتوقف تداعيات اضطراب الممرات البحرية عند النفط. فعندما تضطر السفن إلى تغيير مساراتها، ترتفع مسافة الرحلة واستهلاك الوقود وتكاليف التأمين والشحن، كما يمكن أن تتأخر عمليات تسليم السلع والمواد الأولية.

وتوضح إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تعطّل الممرات البحرية الرئيسية يمكن أن يؤدي إلى تأخير الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الطاقة، بينما يؤدي الالتفاف حول طرق أطول إلى زيادة زمن الرحلات واستهلاك الوقود.

وتزداد أهمية ذلك بالنسبة للتجارة بين آسيا وأوروبا، لأن باب المندب وقناة السويس يشكلان جزءًا أساسيًا من الطريق البحري التقليدي بين المنطقتين.

كما يمكن لارتفاع المخاطر البحرية أن ينعكس على أسعار النفط حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإمدادات، لأن الأسواق تبدأ في تسعير مخاطر التأخير والتأمين وصعوبة الوصول إلى الشحنات.

وبحسب رويترز، تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل في تعاملات 10 سبتمبر، قبل أن يستقر عند 107.63 دولارًا، وسط تصاعد المخاوف بشأن الإمدادات وتداعيات الهجمات على ناقلات النفط.

هل يستطيع العالم تجاوز الممرين؟

الإجابة القصيرة هي: جزئيًا، ولكن بتكلفة أعلى. فالسفن تستطيع في بعض الحالات استخدام طرق بديلة، مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، كما تستطيع بعض الدول الاعتماد على خطوط الأنابيب أو عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى.

لكن هذه البدائل لا توفر بالضرورة القدرة نفسها أو السرعة نفسها التي توفرها الممرات البحرية المباشرة.

وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن شركات الشحن بدأت بالفعل في استخدام مسارات بديلة وتحويلات برية وخطوط أنابيب وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى، لكنها تتوقع استمرار القيود على تدفقات النفط من الشرق الأوسط حتى نهاية عام 2026، مع عودة تدريجية للتدفقات نحو مستويات أقرب إلى الطبيعية خلال 2027 إذا تحسنت الظروف الأمنية.

ما وراء الخبر

القصة الأهم ليست أن هرمز وباب المندب قد يُغلقان في الوقت نفسه؛ فهذا ليس ما تظهره البيانات الحالية.

القصة هي أن الاقتصاد العالمي يعتمد على شبكة من الممرات البحرية شديدة الحساسية، وأن اضطراب أكثر من نقطة في هذه الشبكة يقلل قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات.

في هرمز، تتراجع حركة السفن إلى مستويات استثنائية.

وفي باب المندب، تستمر حركة الملاحة، لكن المخاطر الأمنية ارتفعت مع سيطرة الحوثيين على المخا وتوسع نفوذهم على الساحل اليمني.

وبين المسارين، تصبح البدائل موجودة لكنها أكثر كلفة وأطول زمنًا وأشد تعرضًا للمخاطر.

ولهذا فإن السؤال الذي يهم الأسواق لم يعد فقط: هل سيُغلق مضيق هرمز أو باب المندب؟

بل أصبح: كم ستكلف حماية طرق التجارة والطاقة، وإلى أي مدى تستطيع الأسواق العالمية تحمل استمرار هذه الاضطرابات؟

وهنا يمكن أن تتحول أزمة أمن الملاحة من مشكلة إقليمية إلى عامل ضغط عالمي على النفط والشحن والتجارة وسلاسل الإمداد.

"
اليمن – أنس محمد العريقي لم تعد اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط محصورة في مضيق واحد. ففي وقت تراجعت فيه حركة السفن عبر مضيق هرمز إلى مستويات شديدة الانخفاض، تصاعدت المخاطر على الساحل الغربي لليمن بعد سيطرة جماعة الحوثيين على مدينة وميناء المخا، قرب أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن. وتضع
— اليوم ميديا / التحليلات
لندن - اليوم ميديا
محرر المقال

لندن - اليوم ميديا

محرر ومحلل إخباري

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً (مقالات ذات صلة)

عرض الكل في التحليلات
اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة