الرئيسية/التحليلات/هل تطوي الإمارات وإيران صفحة الماضي؟.. ماذا كشف لقاء بزشكيان وخالد؟
التحليلات

هل تطوي الإمارات وإيران صفحة الماضي؟.. ماذا كشف لقاء بزشكيان وخالد؟

لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
📸لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
اليوم ميديا

لم يكن لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش قمة بريكس في نيودلهي، مجرد صورة دبلوماسية عابرة، لكنه في الوقت نفسه لا يكفي وحده للقول إن الإمارات وإيران دخلتا مرحلة مصالحة كاملة.

اللقاء، الذي عُقد السبت 12 سبتمبر، جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب والتوترات البحرية وأمن الطاقة وحركة التجارة، فيما أصبح مضيقا هرمز وباب المندب جزءًا من معادلة أمنية واحدة أكثر تعقيدًا.

لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الطرفان قد التقيا، بل ماذا يمكن أن ينتج عن هذا الاتصال عندما تعود القضايا الصعبة إلى طاولة النقاش.

وبحسب مكتب أبوظبي الإعلامي، ناقش الشيخ خالد بن محمد بن زايد وبزشكيان عددًا من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وشددا على أهمية دعم جهود تهدئة التوترات وخفض التصعيد وتعزيز الاستقرار الإقليمي، إلى جانب دعم فرص السلام والتنمية.

ولم يعلن الجانب الإماراتي عن اتفاق اقتصادي جديد، أو عن عودة العلاقات التجارية والمالية مع إيران إلى طبيعتها.

لكن بزشكيان ذهب أبعد في توصيف دلالة اللقاء، إذ قال إن إيران والإمارات تريدان، بعد سنوات الحرب والتوتر، أن تطويا الصفحة وتنظرا إلى المستقبل.

وهذه العبارة تمنح الاجتماع بعدًا سياسيًا يتجاوز البروتوكول، لكنها تظل موقفًا إيرانيًا يحتاج إلى اختبار عملي قبل اعتباره تحولًا استراتيجيًا مكتملًا.

لقاء يتجاوز الصورة البروتوكولية

تنبع أهمية الاجتماع أولًا من مستوى التمثيل. فقد كان لقاء الشيخ خالد بن محمد بن زايد مع الرئيس الإيراني من أعلى مستويات التواصل المباشر بين أبوظبي وطهران منذ اندلاع الحرب.

كما ارتبط اللقاء بإقرار إيران والإمارات بيان بريكس المشترك الداعي إلى ضبط النفس وخفض التصعيد وحماية المدنيين واحترام السيادة والحفاظ على التجارة العالمية والاستقرار البحري.

وهنا تظهر نقطة مهمة: الإمارات لم تنتقل فجأة من موقع المواجهة إلى موقع التحالف مع إيران، وإنما فتحت قناة اتصال في وقت تتسع فيه تكلفة استمرار الصراع على دول المنطقة.

وهذا فرق جوهري.

فالدبلوماسية في هذه الحالة لا تعني بالضرورة الاتفاق على الملفات الكبرى، بل يمكن أن تكون وسيلة لمنع الخلاف من التحول إلى خطر أكبر على الأمن والاقتصاد والملاحة.

وهذا ينسجم مع الصياغة الرسمية الإماراتية التي ركزت على خفض التصعيد والاستقرار والسلام، من دون الإعلان عن تفاهمات تفصيلية بشأن التجارة أو الأمن أو الملفات الخلافية.

لماذا الآن؟

التوقيت لا يبدو منفصلًا عن التحولات التي تشهدها المنطقة. ففي 19 أغسطس، أعلنت الإمارات وقف جميع التعاملات التجارية والتبادلات التجارية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر، وهو إجراء يعكس حجم التدهور الذي بلغته العلاقات خلال الحرب.

وبالتالي، فإن أي حديث عن “طي الصفحة” لا يمكن فصله عن حقيقة أن المسار الاقتصادي بين البلدين لم يعد إلى وضعه الطبيعي.

وفي المقابل، تتزايد الضغوط المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة. فقد ظلت حركة السفن عبر مضيق هرمز أقل بكثير من مستوياتها التاريخية، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه حركة التجارة والطاقة في المنطقة.

وفي 14 سبتمبر، تأجل اجتماع كان مقررًا بين إيران وعدد من دول الخليج بشأن إطار مؤقت للملاحة في مضيق هرمز، في مؤشر آخر على أن الطريق نحو تفاهمات عملية ما زال مليئًا بالعقبات.

بمعنى آخر، لم يأتِ اللقاء الإماراتي-الإيراني في بيئة هادئة، بل في لحظة تحتاج فيها دول الخليج إلى قنوات اتصال مباشرة مع جميع الأطراف القادرة على التأثير في أمن الممرات البحرية.

إيران تريد فتح الباب.. والإمارات تريد إدارة الخطر

من منظور طهران، يمكن قراءة لقاء نيودلهي باعتباره فرصة لإعادة فتح نافذة سياسية مع دولة خليجية ذات وزن اقتصادي وجغرافي مهم، خصوصًا بعد مرحلة من التصعيد العسكري والقطيعة الاقتصادية.

لكن من الخطأ افتراض أن الإمارات ستتعامل مع اللقاء باعتباره تسوية شاملة.

والأقرب أن أبوظبي تنظر إلى التواصل بوصفه جزءًا من إدارة المخاطر.

فالإمارات لديها مصالح مباشرة في استقرار الخليج وحرية الملاحة واستمرار التجارة وتدفق الطاقة، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل التهديدات التي يمكن أن تنتقل من ساحة إلى أخرى في المنطقة.

ومن هنا، فإن الدبلوماسية الإماراتية لا تعني الاختيار بين الأمن والحوار، بل يمكن أن يصبح الحوار نفسه أحد أدوات إدارة الأمن.

وهذه هي الزاوية التي تجعل لقاء بريكس أكثر أهمية من مجرد حدث دبلوماسي عابر.

هرمز.. الاختبار الحقيقي

إذا كان هناك مكان يمكن أن يختبر صدق التحول في العلاقات الإماراتية-الإيرانية، فهو مضيق هرمز.

فالإمارات ترتبط بالمضيق ارتباطًا مباشرًا من خلال صادرات الطاقة وحركة السفن والموانئ والتجارة، بينما تمتلك إيران قدرة جغرافية وعسكرية على التأثير في البيئة الأمنية المحيطة به.

وفي أغسطس، دانت وزارة الخارجية الإماراتية ما وصفته بهجوم إيراني استهدف سفينتين مرتبطتين بشركة أدنوك أثناء عبورهما مضيق هرمز.

لذلك، فإن الحديث عن فتح صفحة جديدة سيظل سياسيًا ورمزيًا ما لم ينعكس تدريجيًا على أمن الملاحة وسلامة السفن وخفض المخاطر التي تواجه قطاع الطاقة.

والمؤشر الأكثر أهمية لن يكون التصريحات، بل عدد السفن التي تعبر، ومستوى المخاطر التي تواجهها، ومدى قدرة دول الخليج وإيران على الوصول إلى ترتيبات عملية تمنع التصعيد البحري.

باب المندب يغيّر الحسابات

ولا يمكن فصل هرمز عن باب المندب. فالتطورات الأخيرة على الساحل اليمني أعادت المضيق الواقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر إلى قلب الحسابات الخليجية والدولية، مع تقدم الحوثيين في مناطق قريبة من الممر البحري، الأمر الذي يزيد المخاطر على حركة التجارة والطاقة ويضع دول الخليج أمام بيئة أمنية أكثر تعقيدًا.

وهنا تتغير قيمة التواصل مع إيران. فإذا كان هرمز يمثل نقطة ضغط شرقية على تجارة الخليج والطاقة، فإن باب المندب يمثل نقطة ضغط جنوبية، ما يعني أن أمن المنطقة لم يعد قابلًا للتعامل معه عبر ملف واحد أو مضيق واحد.

وهذا يفسر لماذا أصبحت إدارة العلاقة مع طهران جزءًا من حسابات أمنية أوسع، حتى مع بقاء الخلافات قائمة.

بريكس.. منصة للحوار لا بديل عن الاتفاق

أعطت قمة بريكس في نيودلهي فرصة لجمع أطراف تقف في مواقع مختلفة من الأزمة الإقليمية داخل مساحة دبلوماسية واحدة.

وأظهرت القمة أن بريكس تستطيع توفير منصة للحوار بين دول لديها مصالح متعارضة، لكن ذلك لا يعني أنها قادرة تلقائيًا على حل الخلافات الأمنية المعقدة.

فالبيان المشترك الذي دعمته إيران والإمارات ركز على التهدئة وحماية المدنيين واحترام السيادة والاستقرار البحري، لكنه لم يقدم تسوية تفصيلية للخلافات القائمة.

وهنا تكمن أهمية نيودلهي: لم تكن بالضرورة وسيطًا يملك اتفاقًا جاهزًا، وإنما وفرت بيئة سياسية سمحت بحدوث الاتصال. وهذا بحد ذاته مهم، لكنه ليس كافيًا.

ما الذي يجب مراقبته بعد اللقاء؟

إذا كانت صفحة جديدة قد بدأت بالفعل، فستظهر علاماتها خارج قاعة بريكس.

أول اختبار سيكون الملاحة في هرمز: هل تنخفض المخاطر على السفن المرتبطة بدول الخليج؟

والثاني الطاقة: هل تستطيع المنطقة استعادة قدر أكبر من الاستقرار في تدفقات النفط والغاز؟

والثالث التجارة والمال: هل يبدأ تخفيف القيود الإماراتية على التعاملات مع إيران، أم تبقى الإجراءات الحالية سارية حتى إشعار آخر؟

والرابع باب المندب واليمن: هل تظهر قدرة أكبر على منع انتقال التوتر من الخليج إلى البحر الأحمر؟

أما الاختبار الخامس فهو سياسي وأمني: هل تستطيع أبوظبي وطهران بناء قناة اتصال مستمرة تسمح بإدارة الأزمات قبل انفجارها؟

هذه المؤشرات أهم بكثير من أي عبارة دبلوماسية منفردة.

ما وراء اللقاء

المفارقة أن اللقاء الإماراتي-الإيراني جاء في وقت تبدو فيه المنطقة أكثر حاجة إلى الحوار، لكنها في الوقت نفسه أقل قدرة على تحمل أخطاء جديدة.

فمع تصاعد المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، وارتفاع كلفة اضطراب حركة الملاحة والطاقة، تصبح قنوات الاتصال المباشر بين دول الخليج وإيران أكثر أهمية، حتى إذا بقيت الخلافات السياسية والأمنية قائمة.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة لقاء نيودلهي باعتباره محاولة للانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل وقوعها.

وهذا لا يعني أن الإمارات وإيران أصبحتا على طريق تحالف جديد، ولا أن الخلافات اختفت.

بل يعني أن الطرفين يدركان أن استمرار التوتر من دون قناة اتصال فعالة قد يجعل أي حادث بحري أو أمني قادرًا على إشعال أزمة أكبر من حدود البلدين.

ولهذا فإن عبارة “طي صفحة الماضي” التي استخدمها بزشكيان يجب أن تُفهم باعتبارها اختبارًا للنوايا، لا إعلانًا عن مصالحة مكتملة.

فالصفحة الجديدة لا تُكتب في بيانات القمم فقط، وإنما في سلوك الدول عندما تواجه أول أزمة حقيقية بعد اللقاء.

الخلاصة

لقاء الشيخ خالد بن محمد بن زايد وبزشكيان في بريكس يفتح نافذة سياسية مهمة بين الإمارات وإيران، لكنه لا يغلق الملفات التي فجّرت التوتر بينهما.

أبوظبي أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على أمنها ومصالحها وشراكاتها، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران لمنع اتساع دائرة الخطر. وطهران أمام اختبار مختلف: تحويل لغة التهدئة إلى خطوات يمكن لدول الخليج أن تراها وتثق بها.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد بريكس ليس: هل تصالحت الإمارات وإيران؟ بل: هل تستطيعان تحويل الاتصال السياسي إلى قواعد جديدة لإدارة الخلاف، من هرمز إلى باب المندب؟

إذا كانت الإجابة نعم، فقد تكون نيودلهي بداية صفحة جديدة فعلًا. أما إذا بقيت التصريحات منفصلة عن حركة السفن والطاقة والتجارة والأمن، فسيكون “طي صفحة الماضي” مجرد عنوان دبلوماسي جميل، لا تحولًا استراتيجيًا.

"
لم يكن لقاء ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على هامش قمة بريكس في نيودلهي، مجرد صورة دبلوماسية عابرة، لكنه في الوقت نفسه لا يكفي وحده للقول إن الإمارات وإيران دخلتا مرحلة مصالحة كاملة. اللقاء، الذي عُقد السبت 12 سبتمبر، جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية،
— اليوم ميديا / التحليلات
لندن - اليوم ميديا
محرر المقال

لندن - اليوم ميديا

محرر ومحلل إخباري

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً (مقالات ذات صلة)

عرض الكل في التحليلات
اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز يعيد رسم طرق التجارة في الخليج، مع تحول حركة الشحن إلى موانئ ومسارات بديلة.

ماذا قالت الصحافة الغربية اليوم؟ أبرز قراءات الشرق الأوسط

في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية من الرياض والبحر الأحمر إلى مضيق هرمز، لا تتوقف الصحافة الغربية عند أخبار الصواريخ والمسيّرات. أبرز ما كتبته الصحف الأميركية والبريطانية يذهب إلى طبقة أعمق من الأزمة: كيف بدأت الحرب تغيّر خريطة التجارة الخليجية، وتضغط على السعودية، وتوسّع أهمية باب المندب، فيما ترتفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة؟ وفي

لندن - عمر فهد العلي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
تصاعد الدخان قرب مطار الرياض واضطراب في حركة الطيران

الحوثيون يضغطون على السعودية.. لماذا لا تتدخل واشنطن؟

تدخل المواجهة بين السعودية والحوثيين مرحلة أكثر حساسية، بعدما تزامنت الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية مع تقدم الحوثيين على الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، في وقت تبدو فيه واشنطن حريصة على حماية مصالحها الأساسية والملاحة الدولية، من دون الانخراط حتى الآن في تدخل عسكري مباشر ضد الجماعة. وتكشف أحدث التطورات أن المعركة لم تعد

لندن - عمر فهد العلي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب.. ممر استراتيجي تتغير معادلته مع تطورات حرب اليمن

المعركة التي لم تبدأ بعد: من يحكم البحر الأحمر بعد الحرب؟

قد تهدأ الحرب في الخليج، وتتراجع الصواريخ، وتبدأ السفن بالعودة تدريجيًا إلى البحر الأحمر. لكن ذلك لن يعني أن المعركة انتهت. ربما تكون المعركة الأهم قد بدأت للتو: من سيضع قواعد الأمن في البحر الأحمر بعد الحرب؟ خلال أسابيع قليلة، تغيرت الخريطة الاستراتيجية للممر البحري. سيطر الحوثيون على مدينة المخا، ووصلوا إلى جزيرة ميون عند

اليمن- سامي أحمد اليافعي
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
السيسي ومحمد بن سلمان.. تنسيق عربي أمام اختبار أمن المنطقة

هل سقطت التحالفات العربية؟ من يحمي الخليج؟

لم يعد السؤال في الخليج هو ما إذا كانت المنطقة تملك حلفاء، بل ما إذا كانت التحالفات القائمة قادرة على تحويل قوتها السياسية والعسكرية إلى حماية فعلية عندما تتزامن التهديدات على أكثر من جبهة. من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن منشآت الطاقة السعودية إلى حركة الملاحة الدولية، تكشف التطورات الأخيرة أن أمن

لندن - اليوم ميديا
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة