
تتسع خريطة التصعيد في الشرق الأوسط مع دخول السعودية في مواجهة مباشرة مع الحوثيين، بالتزامن مع تبادل الولايات المتحدة وإيران تهديدات جديدة، فيما حذرت واشنطن من احتمال تصعيد غير متوقع في المنطقة.
وقالت القيادة المركزية العسكرية الإيرانية، الأحد، إن أي هجوم أميركي جديد على إيران سيقابل برد قوي ومتواصل يستهدف القواعد والمصالح الأميركية، مضيفة أن حلفاء واشنطن في المنطقة سيُعتبرون أطرافًا في الصراع.
وجاء التهديد الإيراني بعدما قالت طهران إنها تلقت معلومات عن استعداد الولايات المتحدة، بدعم من دول إقليمية، لاستئناف هجمات عليها، من دون أن تكشف تفاصيل هذه المعلومات.
وفي المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إيران تواجه خيارًا بين التوصل إلى اتفاق أو مواجهة مزيد من الضغوط الاقتصادية، كما أبدى انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.
وتكشف الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران عن معادلة شديدة التعقيد: التهديد العسكري يتصاعد، لكن باب التفاوض لم يُغلق بالكامل.
الرياض تدخل دائرة الاستهداف
التطور الأكثر حساسية بالنسبة إلى الخليج جاء من اليمن.
فقد أعلن الحوثيون، السبت، تنفيذ هجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة على أهداف في الرياض وينبع، بينما قالت قوات التحالف الذي تقوده السعودية إنها اعترضت صاروخًا باليستيًا أُطلق باتجاه العاصمة، وأحبطت محاولات أخرى لاستهداف مواقع في بيشة والطائف وفرسان وينبع.
وأكدت السعودية محاولة استهداف الرياض بصاروخ باليستي، في أول هجوم من هذا النوع على العاصمة منذ تصاعد القتال مع الحوثيين في يوليو. وقالت السلطات إنه جرى اعتراض الصاروخ، ولم تُسجل إصابات أو أضرار في الرياض.
وفي وقت لاحق، أظهرت صور ومقاطع تحققت منها رويترز دخانًا أسود كثيفًا يتصاعد من منطقة قرب مطار الملك خالد الدولي، بينما تحدث شهود عن سماع انفجارات في العاصمة.
وكان المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، قد أعلن استهداف ما وصفها بـ«مواقع حساسة» في الرياض، إضافة إلى منشأة تابعة لشركة أرامكو في ينبع، مستخدمًا صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة.
لكن هذه الادعاءات، بما في ذلك الحديث عن أضرار واسعة في منشآت نفطية، لم يتم التحقق منها بصورة مستقلة.
لماذا أصبح التصعيد أكثر تعقيدًا؟
المفارقة الأبرز في المشهد أن الحوثيين، رغم تصعيدهم ضد السعودية، يقولون إنهم لن يستهدفوا السفن الأميركية في البحر الأحمر.
وقال محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثيين، في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، إن الجماعة أبلغت واشنطن بأنها لا تستهدف الولايات المتحدة أو السفن الأميركية في البحر الأحمر، مع استمرار عملياتها ضد السعودية.
وبحسب البخيتي، جاء التواصل الأميركي مع الحوثيين بعد التقدم الذي حققته الجماعة على الساحل الغربي لليمن واقترابها من منطقة باب المندب.
ويعني ذلك أن الجبهات لا تتحرك بالضرورة وفق مسار واحد: الحوثيون يصعّدون ضد السعودية، بينما يحاولون في الوقت نفسه إبقاء مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة خارج البحر الأحمر.
وهذا الفصل، إذا استمر، قد يكون أحد العوامل التي تحدد مدى اتساع الحرب خلال الأيام المقبلة.
باب المندب.. ورقة ضغط جديدة
تزداد أهمية الجبهة اليمنية بسبب موقعها الجغرافي.
فالحوثيون عززوا نفوذهم في مناطق واسعة من غرب اليمن، وأصبحوا أقرب إلى ممر باب المندب الاستراتيجي، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
لكن من المهم التمييز بين الاقتراب من المضيق والقدرة على تهديد الملاحة فيه وبين السيطرة الكاملة عليه؛ إذ تشير أسوشيتد برس إلى أن الحوثيين لا يسيطرون على الجزء الساحلي من اليمن المطل على باب المندب، رغم امتلاكهم مواقع قريبة منه وقدرتهم على تهديد حركة السفن.
ويمنح هذا الموقع الجماعة قدرة إضافية على الضغط على الملاحة، خصوصًا في وقت تعاني فيه حركة الشحن في المنطقة من اضطرابات متزامنة.
هرمز يضيف ضغطًا على أسواق الطاقة
وفي الجهة الأخرى، لا يزال مضيق هرمز محورًا رئيسيًا في الأزمة، مع استمرار القيود على حركة الملاحة.
لكن تأثير ذلك لا يعني توقف صادرات الطاقة الخليجية بالكامل؛ إذ لجأت السعودية إلى زيادة استخدام مسارات بديلة، كما ارتفعت صادرات النفط السعودية عبر هرمز خلال سبتمبر لتعويض بعض الاضطرابات في مسارات التصدير الأخرى.
ومع ذلك، يبقى اجتماع المخاطر في هرمز وباب المندب عامل ضغط كبير على سوق الطاقة والتجارة العالمية، لأن أي اضطراب متزامن في الممرين يرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد المخاطر أمام شركات الشحن.
وقد انعكس التصعيد بالفعل على الأسواق الخليجية؛ إذ تراجعت مؤشرات عدد من البورصات الخليجية الأحد بعد الهجمات التي أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها، فيما أنهى مؤشر السوق السعودية جلسة اليوم على انخفاض محدود.
واشنطن تحذر.. وترامب يترك باب التفاوض مفتوحًا
أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تحذيرًا أمنيًا بشأن الشرق الأوسط، مشيرة إلى احتمال حدوث تصعيد غير متوقع، ومحذرة من اضطرابات محتملة في حركة الطيران وإغلاق بعض المجالات الجوية.
وفي الوقت نفسه، يستعد ترامب لأسبوع دبلوماسي مزدحم بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث من المتوقع أن يكون الملف الإيراني والحرب في الشرق الأوسط في صدارة مباحثاته مع عدد من القادة.
وهنا تظهر المفارقة السياسية مجددًا: واشنطن ترفع مستوى التحذير والضغط، لكنها لا تغلق الباب أمام اللقاءات الدبلوماسية.
ماذا يعني ذلك للسعودية؟
بالنسبة إلى الرياض، تبدو المعادلة أكثر صعوبة من السابق.
فاستمرار العمليات العسكرية ضد الحوثيين قد يهدف إلى منع الجماعة من تثبيت مكاسبها داخل اليمن، لكنه يرفع في الوقت نفسه احتمالات تعرض الأراضي والمنشآت الحيوية السعودية لهجمات جديدة.
أما التراجع، فقد يمنح الحوثيين مساحة أكبر لتثبيت مواقعهم وممارسة ضغط إضافي على السعودية والملاحة في البحر الأحمر.
لكن التطور الأخطر هو أن الجبهة اليمنية لم تعد منفصلة تمامًا عن المواجهة الأميركية الإيرانية.
فإذا استمر الحوثيون في استهداف السعودية مع تجنب المصالح الأميركية، قد تبقى الجبهة اليمنية مسارًا منفصلًا نسبيًا.
أما إذا امتدت الهجمات إلى السفن أو القوات الأميركية، أو اتسعت اضطرابات الملاحة، فقد يصبح الفصل بين الجبهات أكثر صعوبة.
السؤال الذي يفرض نفسه
ما يحدث الآن يتجاوز مجرد جولة جديدة من الهجمات الحوثية.
إنه اختبار لقدرة الأطراف المختلفة على منع عدة جبهات من الاندماج في مواجهة إقليمية واحدة.
إيران تهدد بالرد على أي هجوم أميركي جديد، وواشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، بينما يواصل الحوثيون الضغط العسكري على السعودية مع تأكيدهم أنهم لا يستهدفون السفن الأميركية في البحر الأحمر.
وبين الرياض وهرمز وباب المندب، تتشكل معادلة جديدة قد تؤثر في أمن الخليج، وحركة الطاقة، وتكاليف التجارة العالمية.
لذلك لم يعد السؤال فقط: هل سترد السعودية على الحوثيين؟ بل أصبح: هل تستطيع الأطراف إبقاء جبهات الحرب منفصلة، أم أن تصعيدًا واحدًا قد يربط الرياض وطهران وواشنطن والبحر الأحمر في مسار واحد؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *