
لأعوام، بنت السعودية جزءًا من استراتيجيتها النفطية على فكرة بسيطة: إذا أصبح مضيق هرمز نقطة اختناق، فيمكن الالتفاف عليه.
لكن الحرب الحالية اختبرت هذه الفكرة في أكثر نقاطها حساسية. فبعد تعرض خط أنابيب الشرق-الغرب، الذي ينقل النفط السعودي إلى ساحل البحر الأحمر، لهجمات عطّلت تدفقاته، اضطرت الرياض إلى زيادة الاعتماد على موانئ الخليج وإرسال مزيد من الخام عبر مضيق هرمز، وهو الممر الذي سعت إلى تقليل اعتماد صادراتها عليه.
وبحسب تقرير حديث لـوول ستريت جورنال، لجأت أرامكو إلى تحميل النفط من محطة رأس تنورة على الخليج، ثم نقله عبر هرمز، قبل إجراء عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة ساحل عُمان، تمهيدًا لإرساله إلى المشترين الآسيويين.
المفارقة هنا ليست في عودة ناقلات النفط إلى هرمز فقط، بل في أن البديل الذي صُمم لتقليل الاعتماد على المضيق تعرض هو الآخر للخطر.
وهذا يطرح سؤالًا أكبر من أزمة شحن مؤقتة: هل تستطيع السعودية تقليل اعتمادها على هرمز، أم أن الجغرافيا تفرض عليها الاحتفاظ بالمضيق كجزء أساسي من منظومة تصديرها؟
حين يصبح البديل هدفًا
أنشأت السعودية خط الشرق-الغرب، المعروف أيضًا باسم «بترو لاين»، ليمنحها منفذًا إلى البحر الأحمر ويقلل تعرض صادراتها للخطر في حال تعطل الملاحة عبر الخليج.
وكان المنطق الاستراتيجي واضحًا: النفط الذي يُنقل عبر المملكة برًا إلى ميناء ينبع لا يحتاج إلى المرور عبر مضيق هرمز. لكن الهجمات الأخيرة كشفت حدود هذه المعادلة.
وذكرت واشنطن بوست أن خط الشرق-الغرب أصبح عنصرًا حيويًا في محاولة السعودية الحفاظ على صادراتها النفطية بعد تصاعد الضغط على حركة الملاحة في هرمز، قبل أن يتعرض الخط لهجوم أدى إلى تعطيل جزء كبير من تدفقاته.
وفي الوقت نفسه، واجهت السعودية ضغطًا آخر على الجهة المقابلة من البلاد، مع تصاعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر ومناطق قريبة من طرق تصدير النفط.
أي أن الرياض لم تعد تواجه مشكلة واحدة يمكن حلها بتحويل مسار السفن. لقد أصبحت أمام شبكة من نقاط الاختناق تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب.
السعودية بين مضيقين
هذه هي النقطة الأكثر أهمية في المشهد. إذا أرسلت السعودية نفطها عبر الخليج، فإن هرمز يصبح جزءًا من الرحلة.
وإذا نقلت الخام عبر خط الشرق-الغرب إلى البحر الأحمر، فإن المنشآت وخطوط النقل والممرات البحرية في الطرف الآخر تصبح جزءًا من معادلة المخاطر.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن طريق البحر الأحمر نفسه ليس بمنأى عن التهديد، في ظل تصاعد نشاط الحوثيين على امتداد الساحل اليمني ومناطق قريبة من باب المندب.
وبذلك، لم يعد السؤال السعودي ببساطة: كيف نتجاوز هرمز؟ بل أصبح: أي طريق أقل خطورة وكلفة عندما تتعرض أكثر من نقطة في شبكة التصدير للتهديد؟
وهذا تغيير مهم في حسابات أمن الطاقة.
لماذا لا تستطيع السعودية التخلي عن هرمز ببساطة؟
قد يبدو الحل بسيطًا: زيادة استخدام خطوط الأنابيب والموانئ البديلة.
لكن الأرقام تكشف حدود هذا الحل. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، لا تملك سوى السعودية والإمارات خطوط أنابيب نفط خام عاملة يمكنها نظريًا إعادة توجيه تدفقات لتجاوز مضيق هرمز، بإجمالي قدرة بديلة تُقدّر بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا.
لكن الوكالة تشير في الوقت نفسه إلى أن القدرة المتاحة لا تعني أن إعادة توجيه كميات ضخمة من النفط يمكن تنفيذها بسهولة، إذ لم تُختبر بالكامل سلاسل الإمداد والعمليات اللوجستية اللازمة في ظروف تعطّل واسع للمضيق.
وهنا تظهر الفجوة بين وجود بديل على الورق وامتلاك بديل قادر على العمل بكفاءة تحت ضغط الحرب.
السعودية تملك بنية تحتية تمنحها مرونة أكبر من معظم دول الخليج، لكن المرونة لا تعني الاستقلال الكامل عن هرمز.
الحرب غيّرت قيمة الجغرافيا
في الظروف الطبيعية، يمكن النظر إلى خط أنابيب أو ميناء بديل باعتباره أصلًا استراتيجيًا يقلل المخاطر.
أما في الحرب، فإن كل أصل ثابت يصبح أيضًا هدفًا محتملًا.
وهذه إحدى أبرز خلاصات الأزمة الحالية. فالأنبوب لا يستطيع تغيير موقعه. والميناء لا يستطيع تجاوز منطقة الخطر.
أما السفن، فحتى عندما تستطيع تغيير المسار، فإنها تدفع ثمن ذلك في صورة وقت أطول وتأمين أعلى وأجور شحن مرتفعة.
ولهذا نقلت وول ستريت جورنال عن مصادر وخبراء أن إعادة توجيه صادرات النفط بعيدًا عن هرمز تفرض تكاليف إضافية، فيما أصبحت أسعار الشحن والتأمين عنصرًا أكثر أهمية في تجارة الخام.
وهذا ما يجعل أزمة هرمز مختلفة عن أزمات الملاحة التقليدية.
المشكلة ليست فقط في إغلاق ممر بحري، بل في قدرة المخاطر الأمنية على الضغط على البدائل التي يفترض أن تسمح بتجاوزه.
السعودية لا تملك رفاهية الانتظار
هناك عامل آخر يجعل المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى الرياض: المشترون الآسيويون.
فالصين واليابان وكوريا الجنوبية تمثل أسواقًا رئيسية للنفط السعودي، ولذلك فإن أي اضطراب في مسار الإمدادات لا يتعلق فقط بقدرة المملكة على إنتاج النفط، وإنما بقدرتها على إيصاله في الوقت والتكلفة المناسبين.
وتشير تقارير حديثة إلى أن أرامكو لجأت إلى ترتيبات تشمل تحميل الخام من رأس تنورة واستخدام عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة ساحل عُمان، بما يسمح بإعادة تنظيم تدفقات النفط إلى المشترين الآسيويين في ظل اضطراب المسارات التقليدية.
لكن هذه المرونة لها ثمن. فكل عملية نقل إضافية تحتاج إلى سفن ووقت وتأمين وترتيبات لوجستية، في سوق تعاني أصلًا من ارتفاع الطلب على ناقلات النفط.
وبالتالي، يمكن أن يستمر النفط السعودي في الوصول إلى الأسواق، لكن بتكلفة أعلى وبعملية أكثر تعقيدًا.
وماذا عن العلاقة مع واشنطن؟
هنا تتحول الأزمة من ملف طاقة إلى اختبار سياسي. فالولايات المتحدة شريك أمني رئيسي للسعودية منذ عقود، لكن الحرب الحالية أظهرت حدود ما يمكن أن تتوقعه الرياض من الدعم الأمريكي المباشر عندما تتعرض مصالحها الحيوية للضغط.
وذكرت واشنطن بوست أن السعودية تواجه ضغوطًا كبيرة على صادراتها النفطية، بينما بقي التدخل الأمريكي المباشر محدودًا، رغم استمرار الشراكة الأمنية بين البلدين. وأشارت الصحيفة إلى أن الاتفاق الدفاعي الاستراتيجي الموقع بين واشنطن والرياض لا يتضمن التزامًا بالدفاع المتبادل على غرار المعاهدات العسكرية التقليدية.
وهذا لا يعني انهيار الشراكة السعودية-الأمريكية، لكنه يكشف اختلافًا مهمًا في حدود ما تستطيع الرياض توقعه من واشنطن عندما تتعرض مصالحها الحيوية للضغط.
بالنسبة إلى السعودية، أمن صادرات النفط ليس قضية اقتصادية فقط. إنه جزء من أمنها الوطني.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن حماية حرية الملاحة وتأمين المصالح الأمريكية لا تعني بالضرورة أن كل هجوم على منشأة سعودية سيقود إلى تدخل عسكري أمريكي مباشر. هذه المسافة بين الموقفين أصبحت أكثر وضوحًا خلال الحرب.
هل انتهت استراتيجية تجاوز هرمز؟
ليس بهذه السرعة. القول إن السعودية «فشلت» في تجاوز هرمز سيكون مبالغة.
فالخطوط البرية والموانئ البديلة لا تزال تمنح المملكة قدرة مهمة على تقليل الاعتماد على المضيق، وقد بدأت السعودية بالفعل إعادة تشغيل خط الشرق-الغرب بعد الهجمات الأخيرة، في مؤشر إلى أن البديل لم يفقد قيمته الاستراتيجية.
لكن الحرب قدمت درسًا مختلفًا: البديل لا يكون كافيًا لمجرد وجوده؛ بل يجب أن يكون قادرًا على العمل تحت الضغط.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد لا تركز فقط على بناء أنابيب جديدة، وإنما على حماية شبكة كاملة من المنشآت والموانئ وخطوط النقل.
وقد يدفع ذلك السعودية والإمارات ودول الخليج الأخرى إلى إعادة النظر في مفهوم «أمن الطاقة» نفسه.
فالأمن لم يعد يعني امتلاك كمية كافية من النفط أو خطوط أنابيب إضافية.
بل يعني امتلاك أكثر من مسار قابل للحياة في الوقت نفسه، مع القدرة على حمايته وتشغيله خلال الأزمات.
ما وراء الخبر
أكبر مفاجأة في الأزمة ليست أن هرمز ما زال مهمًا.
المفاجأة أن تجاوز هرمز جغرافيًا لا يعني بالضرورة تجاوز المخاطر استراتيجيًا.
السعودية تستطيع نقل النفط برًا إلى البحر الأحمر، لكنها تحتاج إلى حماية خطوطها وموانئها هناك.
وتستطيع استخدام هرمز، لكنها تتحمل مخاطر الممر وتكاليف الشحن.
وتستطيع استخدام البحر الأحمر، لكن عليها أن تراقب باب المندب والتهديدات المحيطة به.
بمعنى آخر، لم تعد الرياض تبحث عن «طريق واحد آمن».
إنها تبحث عن شبكة طرق يمكن أن تبقى مفتوحة إذا تعطل أحدها.
وهذا قد يكون أحد أهم التحولات التي تتركها الحرب في استراتيجية الطاقة الخليجية.
فإذا استمرت التهديدات الحالية، فقد يصبح الاستثمار المقبل في الخليج أقل تركيزًا على زيادة قدرة التصدير فقط، وأكثر تركيزًا على توزيع المخاطر بين مسارات متعددة.
وهنا يصبح هرمز أقل شبهًا بمشكلة يمكن حلها بأنبوب جديد، وأكثر شبهًا بمعادلة جغرافية لا تستطيع أي دولة خليجية إلغاءها بالكامل.
السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس: هل تستطيع السعودية تجاوز هرمز؟
بل: هل تستطيع بناء منظومة طاقة لا يؤدي تعطل هرمز أو البحر الأحمر أو أحد خطوط الأنابيب إلى شل قدرتها على التصدير؟




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *