
كشفت قطعة صغيرة من لوح طيني عمرها نحو 3200 عام عن بند لافت في واحدة من أقدم معاهدات السلام المكتوبة المعروفة، بعدما حدد علماء آثار في تركيا أنها جزء من نسخة من معاهدة قادش بين مصر القديمة والإمبراطورية الحيثية.
وعُثر على القطعة في منطقة بيوك قلعة بمدينة حاتوشا، العاصمة القديمة للحيثيين، وخضعت لفحوص علمية استمرت نحو عام قبل تحديد ارتباطها بالمعاهدة التي أبرمها الملك الحيثي حاتوسيلي الثالث والفرعون المصري رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وقالت وكالة الأناضول إن الفحوص أظهرت أن القطعة تمثل جزءًا من نسخة حثية من معاهدة قادش، فيما أشار الباحثون إلى أن الأجزاء المقروءة منها ترتبط ببنود تتراوح بين المواد 12 و20 من المعاهدة.
بند عن الفارين ومنازلهم
المثير في الاكتشاف أن النص لا يتناول الحرب والسلام فقط، بل يتطرق إلى أشخاص فرّوا من إحدى المملكتين إلى الأخرى.
وبحسب وكالة الأناضول، تتضمن الأجزاء المقروءة أحكامًا تتعلق بالأشخاص الذين غادروا الأراضي المصرية أو الحيثية، إضافة إلى ترتيبات بشأن عودتهم، ومن بينها نص يرتبط بعدم تدمير منازلهم.
وتُعد هذه التفاصيل لافتة لأنها تكشف جانبًا أقل شهرة من المعاهدة؛ فالاتفاق لم يكن مجرد إعلان لإنهاء الحرب بين قوتين، وإنما تضمن أيضًا أحكامًا لتنظيم بعض القضايا التي قد تنشأ بين الطرفين بعد انتهاء القتال.
وأفادت وزارة الثقافة والسياحة التركية بأن القطعة اكتُشفت خلال أعمال التنقيب الأثرية في حاتوشا، التي تُعد أحد أهم المواقع الأثرية المرتبطة بالحضارة الحيثية.
معاهدة أنهت صراعًا طويلًا
جاءت معاهدة قادش بعد صراع طويل بين مصر والحيثيين، ومن أبرز محطاته معركة قادش في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.
وبحسب المصادر الأثرية التركية، مثّلت المعاهدة اتفاقًا بين رمسيس الثاني وحاتوسيلي الثالث لتنظيم العلاقة بين القوتين بعد سنوات من الصراع، وتُعد من أقدم اتفاقات السلام المكتوبة المعروفة في التاريخ.
أما النسخة الحيثية، فقد كُتبت باللغة الأكادية بالخط المسماري على ألواح طينية، بينما حفظ المصريون نص المعاهدة في نسخ هيروغليفية نُقشت على جدران معابد في مصر.
وأشارت وكالة الأناضول إلى أن أجزاء من النسخة الحيثية كانت قد اكتُشفت في حاتوشا خلال أعمال التنقيب السابقة، قبل أن تضيف القطعة الجديدة جزءًا آخر إلى النص المعروف.
ماذا تضيف القطعة الجديدة؟
تكمن أهمية الاكتشاف في أنه لا يقدم مجرد قطعة أثرية إضافية، بل يساعد الباحثين على إعادة تركيب نص تاريخي ظل ناقصًا لأكثر من ثلاثة آلاف عام.
وتوضح البنود التي أمكن قراءتها أن الاتفاق تناول قضايا تتجاوز وقف الحرب، بما في ذلك مصير أشخاص انتقلوا من أراضي إحدى المملكتين إلى الأخرى.
لكن من المهم عدم إسقاط المفاهيم القانونية الحديثة على النص القديم؛ فالإشارة إلى الأشخاص الذين فروا بين المملكتين لا تعني أن المعاهدة كانت تتعامل مع مفهوم «اللجوء» بالمعنى القانوني المعاصر.
وبحسب هوريات ديلي نيوز، فإن العثور على القطعة الجديدة يضيف إلى الأدلة التي تساعد الباحثين في فهم النسخ الحيثية من المعاهدة وتفاصيلها.
وتستمر أعمال التنقيب في حاتوشا، فيما يبقى احتمال العثور على أجزاء أخرى من النص قائمًا، وهو ما قد يساعد في استكمال البنود المفقودة من واحدة من أقدم وثائق السلام المعروفة.
المفارقة أن قطعة صغيرة من اتفاق عمره أكثر من ثلاثة آلاف عام تكشف أن مفاوضات السلام لم تكن تتعلق فقط بمن يوقف الحرب، بل أيضًا بما يحدث للأشخاص وممتلكاتهم بعد انتهائها.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *