أرقام ومعلومات مروعة تحدثت عنها وزيرة الدولة للشؤون الاجتماعية في السودان سليمى إسحاق في حديث لقناة «العربية» هذا الأسبوع، حول الجرائم والانتهاكات التي تعرضت لها نساء وفتيات سودانيات من اغتصاب جماعي، واستعباد جنسي، وتزويج قسري، وإكراه على العمل في الجنس، وتعذيب جنسي، وإتجار بالأشخاص بغرض الاستغلال الجنسي، وحقيقة الأرقام وحدها تكفي لفتح واحدة من أكثر صفحات الحرب السودانية قسوة.
أكثر من 2250 جريمة اغتصاب جرى توثيقها منذ اندلاع الحرب، مع تحديد 224 طفلاً من الناجين من هذه الانتهاكات، كما جرى توثيق 190 حادثة للاستعباد الجنسي، تتحمل «قوات الدعم السريع» مسؤولية 98 في المائة من تلك الحالات الموثقة، فيما جاءت الخرطوم في المرتبة الأولى من حيث عدد الحالات، تليها الجزيرة ثم دارفور.
وتقول الوزيرة إن الاغتصاب الجماعي يمثل نحو ربع الحوادث الموثقة، وإن إحدى الحالات الموثقة تضمنت اغتصاب طفلة من جانب عشرة جناة، لكن هذه الأرقام على قسوتها، لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للجريمة.
وتضيف الوزيرة سليمى إسحاق أن حجم الانتهاكات أكبر بكثير مما أمكن رصده وتوثيقه، بسبب ظروف الحرب والخوف من الوصمة الاجتماعية في المجتمع السوداني، فالقضية لم تتوقف عند الاغتصاب، بل شملت الاختطاف، والزواج والحمل القسريين، والاتجار بالبشر، والاستعباد الجنسي.
والأكثر إيلاماً أن جزءاً كبيراً ممن مارسوا الاغتصاب بحق حرائر السودان، بحسب ما ذكرته الوزيرة إسحاق، كانوا من المرتزقة الذين جلبهم قائد «قوات الدعم السريع»، وهو ما يتقاطع مع ما وثقته الأمم المتحدة بشأن حالات الاغتصاب، وكذلك بشأن جلب مقاتلين أجانب ونقلهم للقتال إلى جانب «قوات الدعم السريع».
وهنا لا يمكن تجاوز السؤال: كيف يمكن لمن يطلب القوة باسم حماية السودان أن يقبل بأن تصبح حرائر السودان من ضحايا هذه القوة؟
اغتصاب النساء وانتهاك حرمات البيوت ليسا تفصيلاً في معركة، ولا أثراً جانبياً للقتال، إنما هو اعتداء على شرف الأسرة، وكرامة المجتمع، وحرمة الإنسان، ومن يتحمل مسؤولية هذه الجريمة ليس مرتكبوها فقط، بل من سمح بها ودعمها سواء بالقرار أو بالمال، إضافة إلى من أدخل هؤلاء المرتزقة لأرض السودان للاعتداء على نسائه.
في الوجدان العربي لا تقاس الرجولة بامتلاك السلاح، وإنما بالقدرة على حماية الضعيف، وصون حرمات النساء وحفظ الأعراض، ولهذا فإن اغتصاب امرأة سودانية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره جريمة تخص الضحية وحدها، بل هو إهانة لمعنى الحماية والشرف والكرامة، قبل أن يكون جريمة بحق امرأة.
والحمية على نساء السودان لا تعني الانتقاص من أحد، ولا تحويل الجريمة إلى صراع عرقي أو قبلي، بل معناها أبسط وأعمق، فحرمة المرأة ليست غنيمة حرب، وجسدها ليس ساحة للانتقام، ومن ينتهكها لا يمكن أن يقدم نفسه حامياً لها.
جرائم الاغتصاب في الحروب لا تنتهي عند لحظة الاعتداء، فالعنف الجنسي يترك وراءه حياة كاملة مثقلة بالآثار، وهنا أشير إلى دراسة نشرتها «المجلة الدولية للإنصاف» عام 2023 وهي مجلة محكمة ذكرت أن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لعمليات الاغتصاب هي الأشد امتداداً عبر السنوات، ووثقت أن تلك الجرائم أدت إلى تفكك العلاقات الأسرية وفقدان فرص العمل والتعليم، وتراجع الدخل، والفقر وعدم الاستقرار السكني، حتى إن الأطفال الذين يولدون نتيجة العنف الجنسي قد يجدون أنفسهم داخل دائرة هذه التداعيات، بسبب الوصمة والرفض والمخاوف المتعلقة باندماجهم داخل الأسرة والمجتمع، وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب التي قد لا تظهر كلها الآن.
الحرب قد تنتهي لكن بعض جرائمها قد تواصل العيش في أجساد الضحايا وذاكرتهم وأسرهم لسنوات طويلة، وهذا ما يجعل السؤال عن حرائر السودان ليس سؤالاً عن أرقام الاغتصاب وحدها، بل عن مجتمع كامل سيدفع مستقبلاً ثمن جرائم ارتكبت في حقه.
نقلا عن الشرق الأوسط

التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *