الرئيسية/آراء/ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟
آراء

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

مسجد قرطبة (أرشيفية)
📸مسجد قرطبة (أرشيفية)
اليوم ميديا

الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي

أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه.

وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ الخَثْعَمِي السُّهَيلِيّ، عَاشَ وَنَشَأ بِمَالِقَةَ بِالأَنْدَلُس؛ مَدِينَةِ مَلَقَا الإِسْبَانِيَّةِ اليَوْم.

وَسُهَيْلٌ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ عَبْدُالرَّحْمَنِ، هُوَ مَوْطِنُ وِلَادَتِهِ، فِي قَرْيَةِ مِنْ مَجْمُوعَةِ قُرًى تَنْتَثِرُ فِي وَادٍ بِالأَنْدَلُس مِنْ كُورَة مَالقة.

فَقَدَ السُّهَيْلِي بَصَرَهُ فِي صِغَرِهِ، فَزَادَ العَمَى مِنْ إِصْرَارِهِ عَلَى تَحْصِيلِ العِلْمِ، وَالانْهِمَاكِ فِي الطَّلَبِ، وَأَخْذِ عُلُومِهِ المُتَنَوّعَةِ وَمَعَارِفِهِ المُتْعِبَة، مِنْ 20 عَالِمًا وَشَيْخًا، دَرَسَ عَنْدَهُمْ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ، وَلَزِمَهُمْ أَشَدَّ مُلَازَمَةٍ،

مَنَحَهُمْ عَقْلَهُ وَوَقْتَهُ وَفِكْرَهُ، مَا أَثْمَرَ فِي بِنَاءِ شَخْصِيَّتِهِ عَالِمًا متبحرًا، فِي عُلُومِ القُرْآنِ، وَالقِرَاءَاتِ، وَالسِّيرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، وَالحَدِيثِ النَّبَوِيّ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَالّلغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَالأَدَبِ، وَالبَلَاغَةِ، وَالنَّحْو.

ثُمَّ جَلَسَ الشَّيْخُ السُّهَيْلِيّ لِلطُّلَابِ، وبيَّنَ وَأَوْضَحَ وَشَرَحَ وَنَصَحَ فَطَارَتْ شُهْرَتُهُ فِي النَّاسِ، وَبَلَغَتِ الآفَاقَ، وَتَقَاطَرَ عَلَيْهِ الطَّلَبَةُ، وَقَصَدَهُ التَّلَامِيذُ، وَلَمَّا اشْتَهَرَ وَقُدِّر طُلِبَ إلَى مَرَّاكِش لِلتَّعْلِيمِ مِنْ قِبَلِ الوَالِي، الَّذِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَأَفْضَلَ إِلَيْه.

وَهَذِهِ هِيَ المَرْحَلَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تَكُونُ مَرْحَلَةَ اكْتِفَاءٍ عِنْدَ السُّهَيْلِيّ، فِيمَا كَانَ قَبْلَهَا يُعَانِي شَظَفَ العَيْشِ، وَيَمْتَنِعُ عَنْ إِظْهَارِ الحَاجَةِ أَوْ سُؤَالِ النَّاسِ، فَهُوَ مِمَّنْ (يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ).

العِفَّةُ وَالشَّمَمُ عِنْدَ الإِمَامِ السُّهَيْلِيّ، تَنْطَلِقُ مِنْ تَوْحِيدِهِ للهَ، فَهْوَ لَا يَسْألُ غَيْرَ رَبِّهِ حَاجَتَهُ، وَفِي هَذَا المَيْدَان، اشْتَهَرَتْ قَصِيدَتُهُ العَيْنِيَّةُ وَهِيَ مِنْ أَصْدَقِ أَبْيَاتِ الرَّجَاءِ وَالتَّذَلُّلِ إلَى رَحْمَنِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمِهِمَا جَلَّ وَعَلَا، بِسُؤَالِهِ وَالافْتِقَارِ إِلَيْهِ سُبْحَانَه.

وَفِيهَا يَقُولُ السُّهَيْلِيّ:

يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيْرِ وَيَسْمَعُ

أَنْتَ المُعَدُّ لِكُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ

يَا مَنْ يُرَجَّى لِلشَّدائِدِ كُلِّها

يَا مَنْ إِلَيْهِ المُشْتَكَى وَالمَفْزَعُ

يَا مَنْ خَزَائِنُ رِزْقِهِ فِي قَوْلِ كُنْ

أُمْنُنْ فَإِنَّ الخَيْرَ عِنْدَكَ أَجْمَعُ

مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيْلَةٌ

فبالافْتِقَارِ إِلَيْكَ رَبِّي أَضْرَعُ

مَا لِي سِوَى قَرْعِيْ لِبَابِكَ حَيْلَةٌ

فَلَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ

وَمَنِ الَّذِي أَدْعُو وَأَهْتِفُ بِاسْمِهِ

إِنْ كَانَ فَضْلُكَ عَنْ فَقِيْرِكَ يُمْنَعُ

حَاشا لِمَجْدِكَ أَنْ يُقَنِّطَ عَاصِيًا

الفَضْلُ أَجْزَلُ وَالمَوَاهِبُ أَوْسَعُ

إِنَّهَا قَصِيدَةٌ تَفِيضُ عُذُوبَةً وَصِدْقاً وَتَنْضَحُ عُبُودِيَّةً وَرِقَّا

لَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ جَلَّ وَتَبَارَكَ، الّذِي يَرَى مَا يُخْفِي الضَّمِيرُ، وَيَسْمَعُ هَمْسَ الفَصِيحِ وَالعَيِيِّ وَالصَّغِيرِ وَالكَبِير.

حِينَ يَجِدُّ الجِدُّ، وَتَدْلَهِمُّ الخُطُوبُ وَتَقَعُ الشَّدَائِدُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يُرَّجَّى لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ وَالمُعْضِلَات.

وَاسْتَخْدَمَ الشَّاعِرُ (يُرَّجَّى) وَهِيَ غَايَةُ المُبَالَغَةِ مِنْ (يُرجَى). وَيَبْدُو مِنْ جَرَسِ يُرَّجَى أنَّ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى تَكْرَارِ الرَّجَاءِ فِي عَدَدِ المَرَّاتِ الَّتِي يَقُومُونَ بِهَا وَتَقَادُمِ تَكْرَارِ الرَّجَاءِ يَزِيدُ الرَّاجِينَ إصرارًا عَلَى التَّرَجِّي، وَفِي الوَقْتِ ذَاتِه حُسْنِ ظّنّهِمْ بِالله، وَيَقِينِهِمْ بِاسْتِجَابَتِهِ سُؤْلَهُمْ.

إِنَّهَا حَالَةٌ مُشَابِهَةٌ لِبَيْتِ أَبِي نوَاسٍ الَّذِي يَتَذَلَّلُ فِيهِ غَايَةَ التَّذَلُّلِ لِرَبِّهِ وَهْوَ يَسْأَلُهُ وَيَرْجُوهُ وَيَطْلُبُهُ، حِينَ يَقُولُ:

وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي

جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلَّمَا

تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ

بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا

كَلِمَةُ «تعََاظَمَنِي» وَحْدَهَا لِتَصْوِيرِ الصِّدْقِ وَغَايَةِ التَّذَلُّلِ لِلرَّب العَظِيمِ الجَبَّارِ، سُبْحَانَهُ

إِنَّهُ لَا يَقُولُ: «ذَنْبِي عَظِيمٌ»، بَلْ «ذَنبِي يُرينِي نَفْسَهُ عَظِيمًا»، كَأَنَّ الذَّنْبَ شَخْصٌ يَقِفُ أَمَامَهُ. لَكِنْ حِينَ يُقَاسُ هَذَا العَظِيمُ بِعَفْوِ اللهِ، يَتَضَاءَلُ وَيَصْغُرُ حَتَّى يَتَلَاشَى.

وَهَذَا هُوَ فِقْهُ الرَّجَاء:

أَنْ لَا تَرَى الذَّنْبَ عَظِيمًا فَقَط، وَتَرَى العَفْوَ أَكْبَرَ مِنْهُ.

الَّلهُمَّ مَا لِي سِوَى فَقْرِي إِلَيْكَ وَسِيْلَةٌ

اللهم مَا لِي سِوَى قَرْعِيْ لِبَابِكَ حَيْلَةٌ!

رَبِّ إنَّ: الفَضْل أَجْزَلُ أَوْسَعُ وَالمَوَاهِبُ

الَّلهُمَّ بالافْتِقَارِ إِلَيْكَ رَبِّي أَضْرَعُ

ولَئِنْ رُدِدْتُ فَأَيَّ بَابٍ أَقْرَعُ؟

قَالَ ابْنُ دحْيَة: عَنْ قَصِيدَةِ الفَرَجِ العَيْنِيَّةِ هَذِه:

أَنْشَدَنِيهَا السُّهيْلي، وَقَالَ: مَا يُسْأَل اللهُ بهَا فِي حَاجَة إِلَّا قَضَاهُ إِيَّاهَا

وَنِعْمَ بِالله

"
الإمام السهيلي, السهيلي, فقه الرجاء, الرجاء بالله, التذلل إلى الله, حسن الظن بالله, علماء الأندلس, التراث الإسلامي, الأدب الإسلامي, قصائد الرجاء, أبو القاسم السهيلي أَبْرَزُ مَا يُعْرَفُ بِهِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الأَعْلَامِ، هُوَ الإِمَامُ السُّهَيْلِِيُّ (ت 581هـ)، قَصِيدَتُهُ فِي رَجَاءِ رَبّهِ، وَالتَّذَلُلِ إِلَيْهِ وَالافْتِقَارِ لَهُ سُبْحَانَه. وَصَاحِبُنَا، هُوَ أَبُو القَاسِمِ، عَبْدُالرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِاللهِ بنِ أَحْمَدَ
— اليوم ميديا / آراء
تركي الدخيل
محرر المقال

تركي الدخيل

محرر ومحلل إخباري

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً (مقالات ذات صلة)

عرض الكل في آراء
تحالفات القوى المتوسطة

تحالفات القوى المتوسطة

لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة. هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر

د. ناصر الكعبي
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لم يعد يمنيًا

باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب. فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى

محمد فال معاوية
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
image

الخراب والخديعة

طوال حقب من السنين، كانت بيروت العاصمة الثانية لكل عاصمة عربية. وإذا كانت للدولة عاصمتان حرصت بيروت على أن تكون عاصمة لكل منهما، كما كانت الحال أيام عدن وصنعاء، مثلاً، وفي البداية كانت حكاية العاصمتين طريفة ومسلية ومليئة بحكايات. وكلها باللغة الفصحى دلالة الأصالة والجذور. لكن عندما حمي الوطيس في الجبال الحارة لم يعد الأمر

سمير عطا الله
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة
ميناء ينبع وناقلات النفط على البحر الأحمر في السعودية

السعودية بين مضيقين..

لطالما كان مضيق هرمز نقطة الضعف الأكثر وضوحًا في معادلة تصدير النفط السعودي. لكن التطورات الأخيرة كشفت مشكلة أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما يتعرض الطريق البديل نفسه للخطر؟ السؤال لم يعد افتراضيًا. فالهجوم الذي أدى إلى تعطيل أجزاء من خط الشرق–الغرب السعودي، الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على

د.راشد المنصوري
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦دقيقتان للقراءة