
لطالما كان مضيق هرمز نقطة الضعف الأكثر وضوحًا في معادلة تصدير النفط السعودي. لكن التطورات الأخيرة كشفت مشكلة أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما يتعرض الطريق البديل نفسه للخطر؟
السؤال لم يعد افتراضيًا. فالهجوم الذي أدى إلى تعطيل أجزاء من خط الشرق–الغرب السعودي، الذي ينقل النفط من مناطق الإنتاج في شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، أعاد الضغط على منظومة التصدير السعودية. ويكتسب الخط أهمية خاصة لأنه يوفر للمملكة منفذًا يتجاوز مضيق هرمز، فيما لا يزال الجدول الزمني النهائي لإصلاح الأضرار غير واضح.
لكن المفارقة أن البديل الذي صُمم لتقليل الاعتماد على هرمز أصبح هو الآخر عرضة للتعطل.
خلال الأيام الأخيرة، بدأت أرامكو في استخدام ترتيبات مختلفة لتصدير جزء من الخام. ووفق رويترز، تخطط الشركة لتصدير نحو 60 مليون برميل من الخام خلال سبتمبر وأكتوبر من ميناء رأس تنورة، مع استخدام عمليات نقل من سفينة إلى سفينة في ميناء صحار العُماني، في محاولة للتعامل مع تعطل جزء من الشحنات عبر ينبع.
هذه الخطوة تكشف قدرة السعودية على إعادة ترتيب تدفقات النفط بسرعة، لكنها تكشف في الوقت نفسه حدود مفهوم «الطريق البديل».
فالنقل عبر صحار ليس خطًا جديدًا يلغي المخاطر، بل ترتيب لوجستي للتعامل مع ظرف استثنائي.
وهنا تكمن المسألة الأهم. إذا كان خط الشرق–الغرب يمثل طريقًا بديلًا عن هرمز، فإن تعطله يوضح أن الاعتماد على مسار واحد، حتى لو كان بريًا ولا يمر بالمضيق، يمكن أن ينتج نقطة اختناق جديدة.
بمعنى آخر: المشكلة ليست في هرمز وحده. المشكلة في وجود نقطة واحدة يمكن أن تتسبب في اضطراب سلسلة التصدير بأكملها. وفي الطرف الآخر من الخريطة، تتغير البيئة الأمنية للبحر الأحمر بسرعة.
فالتقدم الحوثي على الساحل اليمني ووصول الجماعة إلى جزيرة بريم ومواقع ساحلية استراتيجية يزيد حساسية أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وقد وثقت رويترز وصول الحوثيين إلى جزيرة بريم، المعروفة أيضًا باسم ميون، عند مدخل باب المندب، بالتزامن مع تقدمهم على الساحل الغربي لليمن.
وهذا لا يعني أن كل شحنة نفط سعودية أصبحت معرضة للخطر بالطريقة نفسها، لكنه يعني أن المسار الغربي الذي يفترض أن يمنح المملكة مرونة أكبر أصبح جزءًا من حسابات المخاطر الإقليمية.
وهنا تظهر المفارقة الجغرافية: هرمز في الشرق، والبحر الأحمر وباب المندب في الغرب، والبنية النفطية في الوسط.
وبين هذه النقاط توجد شبكة من الأنابيب والموانئ ومحطات الضخ ومستودعات التخزين والأساطيل التي يجب أن تعمل معًا حتى تصل البراميل إلى المشتري.
الهجوم على خط الشرق–الغرب أظهر أن أمن الطاقة لا يتعلق فقط بحماية الممرات البحرية.
فخط الأنابيب، الذي يمتد لنحو 1,200 كيلومتر عبر الأراضي السعودية، يمثل عنصرًا مهمًا في قدرة المملكة على إعادة توزيع صادراتها بعيدًا عن هرمز. وعندما يتوقف، تنتقل الضغوط سريعًا إلى الموانئ والمخزونات والشحن البحري والأسواق الخارجية.
وتظهر التداعيات بالفعل في الأسواق. فرويترز أفادت في 18 سبتمبر بأن أرامكو أبلغت بعض المصافي الأوروبية بأنها لن تحصل على شحنات خام في أكتوبر بعد الهجوم على خط الأنابيب. وهذا يعكس أن تعطل مسار واحد لا يغير فقط طريقة نقل النفط، بل يمكن أن يغير أيضًا وجهة بعض التدفقات التجارية.
وهنا يصبح السؤال أكبر من قدرة السعودية على تجاوز أزمة مؤقتة.
الدرس الاستراتيجي الذي تفرضه التطورات الحالية هو أن الطريق البديل وحده لا يكفي. فإذا كان مسار واحد يستطيع تعويض هرمز، ثم يتعرض هذا المسار نفسه للتعطل، فإن المشكلة لم تُحل؛ بل انتقلت من نقطة إلى أخرى. أما شبكة البدائل، فهي شيء مختلف.
أنابيب متعددة، موانئ متعددة، مخزونات موزعة، ترتيبات للنقل البحري، إمكانات لإعادة توجيه الشحنات، وقدرة على تحويل جزء من الصادرات بين أسواق مختلفة عند حدوث اضطراب.
هذه ليست مسألة زيادة عدد الطرق فحسب. إنها مسألة مرونة النظام بأكمله. وهذا هو الدرس الذي تكشفه الأزمة الحالية للسعودية ولسوق النفط العالمي: حماية المنشأة أو الميناء لا تكفي إذا كان باقي النظام يعتمد عليها وحدها.
السعودية لا تواجه اليوم مشكلة هرمز بمعزل عن البحر الأحمر. فأي اضطراب في الخليج يمكن أن يدفع المزيد من الشحنات نحو مسارات بديلة، وأي اضطراب في البحر الأحمر يمكن أن يزيد كلفة النقل والتأمين ويطيل الرحلات، بينما يمكن لضربة على بنية تحتية داخل المملكة أن تعيد توزيع الضغط على الموانئ والممرات البحرية.
لهذا فإن أمن الطاقة السعودي أصبح مرتبطًا بجغرافيا أوسع من حدود المملكة نفسها: الخليج، عُمان، البحر الأحمر، اليمن، باب المندب، ثم طرق التجارة التي تصل إلى آسيا وأوروبا.
والأمر لا يتعلق بالسعودية وحدها.
كلما ارتفعت كلفة التأمين والشحن، انتقلت آثارها إلى أسعار الطاقة والتجارة. وكلما طال مسار السفن، تغيرت حسابات شركات النقل والمصافي والمشترين. وكلما تعطلت بنية تحتية رئيسية، أصبح على السوق إعادة توزيع البراميل بين مناطق مختلفة.
السؤال الحقيقي إذن ليس: كيف تحمي السعودية صادراتها إذا أغلق هرمز؟ بل: كيف تبني السعودية منظومة تستطيع فيها مواصلة التصدير حتى إذا تعرض أكثر من مسار للخطر في الوقت نفسه؟
هذا تحول مهم في طريقة التفكير في أمن الطاقة. فالمستقبل لا يتعلق فقط ببناء «طريق بديل» عن المضيق، وإنما بتقليل قدرة أي نقطة منفردة على تعطيل النظام كله.
وقد تكون هذه هي الخلاصة الأهم التي تكشفها الأزمة الحالية: البديل الحقيقي ليس طريقًا آخر. البديل الحقيقي هو ألا يكون هناك طريق واحد يمكن إسقاطه.


التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *