باب المندب لا يزال يمنيًا على الخريطة، لكنه لم يعد كذلك في حسابات الحرب.
فالتقدم الحوثي على الساحل الغربي، والوصول إلى مدينة المخا وجزيرة ميون الاستراتيجية، نقل المعركة من سؤال يمني إلى سؤال يتجاوز اليمن: من يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية بين البحر الأحمر وخليج عدن؟ وقد وصفت رويترز الوصول إلى ميون بأنه خطوة تعزز قبضة الحوثيين على طريق ملاحي عالمي حيوي.
هنا تكمن أهمية التحول. فالمضيق لا يحتاج إلى إغلاق كامل حتى يصبح ورقة قوة. يكفي أن ترتفع مخاطر المرور، فتبدأ شركات الملاحة والتأمين في إعادة حساباتها. عندها تتحول الجغرافيا إلى نفوذ.
وهذا ما يجعل التقدم الحوثي أكبر من مكسب ميداني داخل الحرب اليمنية. فالوصول إلى الساحل والجزر القريبة من باب المندب يمنح الجماعة قدرة أكبر على الضغط في مساحة تتقاطع فيها مصالح السعودية ومصر ودول القرن الأفريقي والقوى البحرية الدولية.
لكن الحوثيين لا يحتاجون إلى السيطرة الكاملة على المضيق حتى يغيروا معادلته.
يكفي أن يصبح المرور فيه قرارًا أمنيًا، لا قرارًا تجاريًا فقط.
وهنا يلتقي باب المندب مع هرمز.
ففي الوقت الذي اضطربت فيه حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، عادت السعودية إلى زيادة صادراتها عبره رغم امتلاكها خط الشرق–الغرب. وأظهرت بيانات نقلتها رويترز أن صادرات النفط الخام السعودية عبر هرمز تجاوزت أربعة ملايين برميل يوميًا خلال سبتمبر، في وقت بقيت فيه الحركة البحرية عبر المضيق أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
المفارقة واضحة: كلما ضاقت خيارات الخليج في هرمز، ارتفعت قيمة باب المندب؛ وكلما ارتفعت المخاطر في باب المندب، أصبح أمن الخليج أكثر ارتباطًا بالبحر الأحمر.
ومن هنا يدخل القرن الأفريقي إلى المعادلة.
فجيبوتي والصومال وإريتريا ليست أطرافًا في الحرب اليمنية، لكنها تقع على الضفة الأخرى من بحر تتغير قواعده. وقد بدأت التأثيرات تظهر في التجارة نفسها؛ إذ قالت أسوشيتد برس إن شركات صومالية بدأت تبحث عن طرق شحن بديلة بسبب المخاطر المحيطة بباب المندب وهرمز.
أما جيبوتي، فقد أصبحت تستقبل موجات من الفارين من اليمن. ووفق رويترز، وصل نحو 3 آلاف شخص إلى جيبوتي بحرًا خلال التصعيد الأخير، بينما تجاوز عدد النازحين داخل اليمن 112 ألفًا.
لهذا فإن اختزال ما يجري في صراع سعودي–حوثي فقط يفوّت جوهر التحول.
اليمن يضعف كدولة، لكن ساحله يزداد قيمة.
المخا وميون وباب المندب لم تعد مجرد نقاط في خريطة الحرب؛ إنها عقد في شبكة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتصل تجارتها إلى آسيا وأوروبا.
وهنا يصبح السؤال أكبر من: من يسيطر على باب المندب؟ من يملك القدرة على جعل البحر يتحرك وفق حساباته؟ عند هذه النقطة تحديدًا، لم يعد باب المندب شأنًا يمنيًا فقط.



التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *