لم يعد العالم يتحرك كما كان: قوة عظمى تقود، وحلفاء يصطفون خلفها. في مناطق عدة، بدأت الدول المتوسطة تبني شبكة أوسع من العلاقات، لا لأنها قررت مغادرة التحالفات القديمة، بل لأنها لم تعد تريد أن تضع أمنها واقتصادها في سلة واحدة.
هذا هو جوهر ما تصفه الغارديان بصعود «تحالفات التحوّط»: شراكات تمنح الدول مساحة أكبر للمناورة في عالم تتزايد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، وتتراجع فيه قدرة التحالفات التقليدية على تقديم ضمانات مطلقة.
المهم هنا ليس عدد الاتفاقات التي توقعها الدول، بل تغير وظيفة التحالف نفسه.
في الماضي كان السؤال: من يحميك؟
أما اليوم فأصبح السؤال أكثر تعقيدًا: من تستطيع الاعتماد عليه، وفي أي ملف؟
الخليج يقدم نموذجًا واضحًا لهذا التحول.
لا يعني ذلك أن السعودية أو الإمارات أو قطر تتجه إلى التخلي عن الولايات المتحدة. فالشراكة الأميركية، خصوصًا في المجال الدفاعي، لا تزال عنصرًا مهمًا في الحسابات الأمنية الخليجية. لكن الحروب والأزمات الأخيرة أظهرت أن الاعتماد على شريك واحد قد يترك هامش الحركة ضيقًا عندما تتغير الأولويات أو تتباين الحسابات.
لذلك تتسع دائرة الشراكات.
السعودية تعمق علاقاتها مع الصين، وتطور روابطها مع الهند وتركيا وأوروبا، وفي الوقت نفسه وسعت تعاونها الدفاعي مع تركيا وباكستان. وفي 7 أغسطس وقعت الرياض وأنقرة وإسلام آباد اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي تنص على اعتبار الهجوم المسلح على أي دولة من الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. ثم بدأت الدول الثلاث في أغسطس خطوات لإضفاء طابع مؤسسي على الاتفاق عبر لجنة سياسية ودفاعية وأمانة مقرها السعودية.
لكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها انتقالًا من واشنطن إلى أنقرة أو إسلام آباد تفوّت جوهر التحول.
البديل لم يعد هو الفكرة. توزيع الاعتماد هو الفكرة.
وهذا فارق استراتيجي كبير.
فالولايات المتحدة تملك ثقلًا عسكريًا لا تستطيع القوى الاقتصادية وحدها تعويضه، بينما تمثل الصين شريكًا تجاريًا واستثماريًا رئيسيًا، والهند قوة مهمة في الطاقة والأسواق، وتركيا لاعبًا إقليميًا ذا قدرات عسكرية وصناعية، فيما توفر أوروبا وزنًا اقتصاديًا وتقنيًا لا يمكن تجاهله.
ليست هذه الأدوار متطابقة، ولا يمكن أن تحل إحداها محل الأخرى.
لكن الدولة التي توزع علاقاتها تستطيع أن تقلل تكلفة الاعتماد على أي طرف واحد.
وهنا تتجاوز المسألة السياسة إلى الاقتصاد.
فالخليج يعيش عند تقاطع الطاقة والتجارة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. وعندما يصبح أحد هذه المسارات عرضة للخطر، تصبح القدرة على فتح مسار آخر أو الاعتماد على شريك آخر جزءًا من الأمن القومي نفسه.
لهذا فإن تعدد الشركاء ليس ترفًا دبلوماسيًا.
إنه توزيع للمخاطر.
لكن لهذه الاستراتيجية حدودها أيضًا.
فالشراكة التجارية ليست ضمانة عسكرية، والاستثمار لا يتحول تلقائيًا إلى التزام دفاعي، والاتفاق الأمني لا يلغي اختلاف المصالح بين أطرافه. وحتى اتفاق مكة نفسه لا يعني أن الدول الثلاث أصبحت كتلة عسكرية متجانسة؛ إذ لا تزال آليات تطبيق الالتزام الدفاعي وتفاصيله موضع اختبار، رغم بدء بناء هيكله المؤسسي.
وهنا تكمن المفارقة.
كلما زادت المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، أصبحت الدول المتوسطة أكثر حاجة إلى الخيارات. لكنها في الوقت نفسه تواجه خطر أن تتحول كثرة الشراكات إلى شبكة من الالتزامات المتعارضة.
فالدولة التي تريد التجارة مع الصين، والأمن مع الولايات المتحدة، والطاقة مع الهند، والتعاون الدفاعي مع تركيا وباكستان، تحتاج إلى مهارة أكبر في إدارة التوازنات، لا إلى مجرد توقيع مزيد من الاتفاقات.
ولهذا يبدو الخليج مختبرًا مهمًا لهذا النموذج.
فهو لا يستطيع الانعزال عن الولايات المتحدة، ولا يستطيع تجاهل الصين، ولا يملك مصلحة في إبعاد الهند أو أوروبا أو تركيا عن معادلاته الاقتصادية والأمنية. وكلما ازدادت الأزمات في المنطقة، ارتفعت قيمة القدرة على التحرك بين هذه الدوائر بدل الارتهان إلى دائرة واحدة.
قد لا تكون هذه نهاية التحالفات التقليدية، لكنها بالتأكيد إعادة تعريف لوظيفتها.
لم تعد الدولة المتوسطة تريد أن تكون مجرد عضو في منظومة تصنعها قوة كبرى. إنها تريد أن تحتفظ بمساحة قرار مستقلة، وأن تملك بدائل عندما تتغير الظروف.
وهنا يصبح معنى «تحالفات القوى المتوسطة» أكثر وضوحًا:
ليس المطلوب أن تتخلى الدولة عن حليف، بل ألا تمنحه وحده مفاتيح أمنها واقتصادها وخياراتها.
في عالم تتسع فيه المنافسة بين الكبار، قد تكون القوة الحقيقية للدول المتوسطة في شيء أبسط: أن تمتلك أكثر من خيار عندما يصبح الخيار الواحد مكلفًا.



التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *