
عبدالوهاب بدرخان
تنظر مراجع دولية وإقليمية عديدة إلى تجربة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مع الولايات المتحدة على أنها آخر مثال لخذلان «حليف كردي» قاتل معها ضد تنظيم إرهابي وفقد الكثير من أبنائه. ولأن هذا الخذلان لن يكون هذا الأخير من نوعه فإن استخلاص عدم الوثوق بالسياسات الأمريكية بات حُكماً صحيحاً عموماً، بناء على تجارب وحالات عدة حول العالم. وهكذا، فلا ثقة في أمريكا ولا بد منها. كان تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) بادر إلى استهداف الكرد في عين العرب/ كوباني فاحتاجوا إلى الدعم الأمريكي لصده، ثم اندفعوا إلى الترشح لمحاربته، وبدؤوا يبنون حلم «دولتهم» أو «إقليم حكم ذاتي» خاص بهم.
لكن، بعيداً عن الدفاع عن أمريكا وأهدافها، يجدر التذكير بأن أي مسؤول أمريكي لم يتعهد علناً أو سراً بدعم مشروع «روج آفا»، والمعروف عموماً أن الأمريكيين شجعوا قادة «قسد» على «الحوار» مع النظام السوري السابق على إقامة حكمهم الذاتي، وحصلت مفاوضات طويلة من أن تتوصل إلى «تفاهم». يمكن التذكير أيضاً بأن واشنطن التي دعمت وتدعم بقوة «استقلالية» إقليم كردستان العراق لم تتردد في خذله عندما أجرى استفتاء عام 2017 للانفصال عن العراق. وقبل التطورات الأخيرة في شمال شرقي سوريا دُعي زعيم «قسد» إلى اجتماع في أربيل بحضور الزعيم الكردي مسعود بارزاني والمبعوث الأمريكي توم براك الذي أبلغ مظلوم عبدي، كما أبلغ الإسرائيليين في باريس، أن الولايات المتحدة تجد مصلحة في دعم نظام أحمد الشرع ووحدة الأراضي السورية. ربما تخذله لاحقاً، لكن هذه مسألة أخرى.
إزاء تسارع الأحداث أخيراً صعُب على الجانب الكردي السوري استيعاب انهيار مشروعه، أو رؤية أن مصلحته تكمن في الاتفاق مع الدولة السورية والمساهمة في استكمال بنائها، مع أنه أدرك منذ اتفاق 10 مارس الماضي، الذي أبرم بضغط أمريكي وتركي، أن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية هو الهدف. لكنه حاول التمرد على هذا المسار وتغييره، بالمماطلة ومحاولة تركيب «تحالف أقليات» مع الدروز والعلويين، أو استدراج تدخلات إقليمية من إسرائيل خصوصاً أو ربما من إيران. وعندما ارتسمت الإرادة الأمريكية بوضوح لم يعد لديه أي هامش للمناورة، بل بقي أمامه التنسيق والتعاون الجادين مع دمشق لدمج المؤسسات بسلاسة والحفاظ على أسس التعايش. أما امتناعه عن سلوك هذا المسار فلم يجلب له سوى الخسائر والمآسي. ما يتردد الآن هو أن الجناح المتطرف في «قسد»، أي «حزب العمال الكردستاني»، كان وراء التصلب بدءاً من حلب وصولاً إلى الحسكة، وبالأخص إلى إفلات سجون «داعش» الذي أساء إلى «قسد» وأظهرها مجرد ميليشيا بعيدة جداً عن أن تكون دولة.
من الطبيعي أن ينظر الكرد السوريون إلى فشل مشروع «قسد» من زاوية «الظلم التاريخي» الذي وقع على عموم الكرد، منذ «سايكس- بيكو» قبل أكثر من مئة عام وما تلاه (معاهدتا «سيفر» ثم «لوزان») وتشظي «دولتهم التاريخية» المفترضة بين تركيا وإيران والعراق، وسوريا بدرجة أقل. لكن هذه الدول الأربع تتخوف على الدوام من الكرد كمصدر تهديد لـ«وحدة الدولة» وعنصر تقسيمي بأهداف معلنة، خصوصاً أن هناك تواصلاً جغرافياً بين المناطق الكردية فيها. وقد وجدت الدول الكبرى (تحديداً روسيا والولايات المتحدة، مع أدوار ثانوية لفرنسا وبريطانيا) في قضية الكرد أداة للضغوط الجيوسياسية لكن العبث بأمن الدول الأربع واستقرارها لم يذهب إلى حد تغيير الخرائط والتبني الرسمي لإعادة توحيد أجزاء «الدولة الكردية».
فيما تكفل عنف الدولة في تركيا وإيران باستبعاد أي مشروع تقسيمي، حتى الآن، فإن الخطر ظل ماثلاً في العراق إلى أن قرر نظام صدام حسين إنهاء الحروب مع الكرد باتفاق نص على منح كردستان العراق حكماً ذاتياً بدءاً من 1970. أتاحت هذه الصيغة للإقليم أن يبني نواة دولة، وما لبث دستور 2005 (بعد الغزو الأمريكي) أن أقر صيغة فيدرالية حفزت الإقليم على تطوير الوضع الخاص الذي يتمتع به في اطار الدولة العراقية. لكن سعيه إلى الاستحواذ على الموارد المتوفرة في مناطقه، وإعلان الاستقلال/ الانفصال، واجه معارضة واسعة داخل العراق وخارجه وقاد إلى تداعيات اقتصادية ومالية وسياسية لما تنتهِ حتى الآن. قام الإقليم العراقي بهذه المحاولة متجاهلاً أنها خطوة أولى نحو تقسيم العراق، ومعتقداً أنها ستلقى دعماً من حلفاء وأصدقاء دوليين، لكنه صُدم بمعارضتهم.
في الوقت نفسه كانت الأزمة السورية دفعت بالكرد إلى دور مميز برعاية التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب وبات يُنظر إلى تنظيمهم، «قسد»، باعتباره قاطرة التقسيم المستقبلي لسوريا، لكن الدول المتدخلة (روسيا وأمريكا وتركيا وإيران وإسرائيل) لم تتوافق على اعتماد تصورٍ كهذا، حتى لو كانت ممارسات النظام السوري السابق تدفع في اتجاهه. فهل إن انهيار «قسد» والبدء بدمجها يقنع دروز حكمت الهجري وفلول العلويين والدول التي تدعمهم بعدم جدوى مشاريع التقسيم؟ الجواب يتطلب أيضاً من «نظام الشرع» قبولاً أكبر للتعددية والمشاركة. ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي”

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]