الرئيسية/مقالات/حين وصلت القبة الحديدية إلى أبوظبي
مقالات

حين وصلت القبة الحديدية إلى أبوظبي

محمد فال معاوية في الشرق الأوسط، لا تبدأ التحولات الكبرى من البيانات الرسمية، بل من لحظات الحروب حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة.

محمد فال معاوية

في الشرق الأوسط، لا تبدأ التحولات الكبرى من البيانات الرسمية، بل من لحظات الحروب حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة. ولهذا، لم يكن تصريح السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بأن إسرائيل أرسلت بطاريات “القبة الحديدية” وطاقمًا عسكريًا إلى الإمارات للمساعدة في التصدي للهجمات الإيرانية، مجرد تفصيل عسكري عابر، بل إشارة سياسية واستراتيجية قد تعيد رسم مفهوم الأمن الخليجي بأكمله.

فما جرى لا يتعلق فقط بمنظومات دفاع جوي، بل بانتقال التعاون الإقليمي إلى مستوى أمني أكثر تعقيدًا في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة.

وحين يؤكد مسؤول أمريكي بهذا المستوى وجود تعاون دفاعي ميداني بين إسرائيل والإمارات، فإن المنطقة تكون قد تجاوزت فعليًا مرحلة “التطبيع السياسي” إلى مستوى أكثر حساسية يتمثل في التنسيق الأمني المباشر تحت المظلة الأمريكية.

ولا يمكن قراءة هذا التحول باعتباره إجراءً تقنيًا مؤقتًا فرضته ظروف الحرب، بل بوصفه مؤشرًا على تغير تدريجي في هندسة التحالفات التقليدية في الشرق الأوسط.

ولسنوات طويلة، قامت المعادلة الخليجية على ركيزتين أساسيتين: المظلة الأمنية الأمريكية، والتوازن الحذر مع إيران. غير أن الحرب الأخيرة كشفت أن هذه المعادلة لم تعد مستقرة كما كانت في السابق. فمع تصاعد الهجمات الإيرانية واتساع رقعة المواجهة، بدا واضحًا أن واشنطن لم تعد راغبة في لعب الدور العسكري التقليدي الذي اعتادت عليه المنطقة طوال العقود الماضية.

وفي المقابل، ظهرت إسرائيل باعتبارها من أكثر القوى جاهزية من الناحية العسكرية والتكنولوجية للمساهمة في سد هذا الفراغ، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي، والرصد المبكر، والتعامل مع تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ومن هنا يمكن فهم مغزى وصول منظومات “القبة الحديدية” إلى أبوظبي. فالقضية لا تتعلق بمجرد بطاريات لاعتراض الصواريخ، بل ببداية مرحلة جديدة من التعاون الأمني والتنسيق الدفاعي الإقليمي تحت المظلة الأمريكية.

إن ما كان يُناقش خلف الأبواب المغلقة أصبح اليوم أكثر وضوحًا على أرض الواقع.

لقد شكّلت “اتفاقيات إبراهيم”، منذ توقيعها عام 2020، تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقات العربية الإسرائيلية، إلا أن كثيرين تعاملوا معها آنذاك باعتبارها اتفاقيات سياسية واقتصادية بالدرجة الأولى. غير أن الحرب الحالية دفعت تلك الاتفاقيات إلى مسار مختلف يقوم على الأمن المشترك والردع الدفاعي.

وهنا يبرز التحول الأهم.

فالتعاون الأمني المتصاعد لا يعني فقط تبادل المعلومات أو شراء الأنظمة الدفاعية، بل قد يقود مستقبلًا إلى مستويات أوسع من التنسيق في مجالات الإنذار المبكر، والدفاع الجوي، وحماية الممرات البحرية، لا سيما مع تصاعد التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة في المنطقة.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تتجه المنطقة نحو منظومة دفاع إقليمي مشتركة؟

قد يبدو هذا السيناريو بعيدًا للبعض، غير أن المؤشرات تتزايد بوضوح. فواشنطن تدفع منذ سنوات نحو بناء شبكة دفاعية إقليمية تضم حلفاءها في المنطقة، كما أن تصاعد الهجمات الصاروخية جعل فكرة الدفاع الجوي المشترك أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

ومن هذه الزاوية، تبدو الإمارات في قلب التحولات الجديدة.

فأبوظبي، التي بنت نموذجها السياسي والاقتصادي على الاستقرار والانفتاح والتحول إلى مركز عالمي للتجارة والاستثمار، تجد نفسها اليوم أمام تحديات أمنية متزايدة فرضتها طبيعة الصراع الإقليمي المتسارع.

لقد أصبحت الحرب أقرب إلى الخليج مما كانت عليه في السابق، وأضحت الصواريخ والطائرات المسيّرة جزءًا من معادلة الأمن اليومي في المنطقة.

وفي عالم تتراجع فيه الضمانات التقليدية، تصبح البراغماتية السياسية أولوية استراتيجية للدول.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التعاون الدفاعي الإماراتي الإسرائيلي باعتباره خيارًا مرتبطًا بحسابات الأمن القومي وموازين القوى الإقليمية، أكثر من كونه تحولًا أيديولوجيًا. فالدول تبني تحالفاتها وفق إدراكها للمخاطر والتحديات المحيطة بها.

غير أن هذه التحولات تحمل، في المقابل، تحديات استراتيجية معقدة.

فإيران ستنظر إلى تنامي التعاون الدفاعي بين إسرائيل وبعض دول الخليج باعتباره تطورًا يمس توازنات الأمن الإقليمي، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاستقطاب السياسي والعسكري في المنطقة.

وهنا يبرز الخطر الحقيقي.

فالتحالفات التي تُبنى تحت ضغط الحروب كثيرًا ما تتحول إلى خطوط تماس طويلة الأمد. ومع ازدياد الترابط الأمني الإقليمي، قد يصبح أي تصعيد مستقبلي أكثر اتساعًا وأقل قابلية للاحتواء.

والأخطر من ذلك أن المنطقة تدخل اليوم مرحلة جديدة من “الحروب الشبكية”، حيث لم تعد القوة تُقاس بعدد الجنود فقط، بل بقدرات الرصد الفضائي، وأنظمة الاعتراض الذكية، والذكاء الاصطناعي، وسرعة تبادل المعلومات العسكرية عبر الحدود.

وفي هذا المجال تحديدًا، تمتلك إسرائيل تفوقًا تقنيًا واضحًا يجعلها شريكًا مهمًا في معادلات الأمن الجديدة التي تتشكل في المنطقة.

لكن التاريخ يعلمنا أيضًا أن التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار السياسي.

فالقبة الحديدية قد تنجح في اعتراض الصواريخ، لكنها لا تستطيع وحدها وقف مسار التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط. كما أن بناء منظومات ردع مشتركة لا يعني بالضرورة منع الحروب، بل قد يؤدي أحيانًا إلى توسيع نطاقها عندما تشعر الأطراف المتصارعة بأن المواجهة أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

إن الشرق الأوسط لا يشهد مجرد حرب عابرة، بل يعيش إعادة تشكيل تدريجية لخريطة الردع والتحالفات. وما حدث فوق أبوظبي قد يكون بداية مرحلة جديدة تتغير فيها معادلات الأمن الإقليمي بصورة غير مسبوقة.

لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس ما إذا كانت “القبة الحديدية” قادرة على اعتراض الصواريخ، بل ما إذا كان الشرق الأوسط يتجه نحو منظومة ردع تمنع الانفجار… أم نحو اصطفافات جديدة قد تجعل أي مواجهة مقبلة أكثر اتساعًا وتعقيدًا.

  • كاتب وباحث في الشؤون الخليجية والتحولات الإقليمية

"
“محمد فال معاوية في الشرق الأوسط، لا تبدأ التحولات الكبرى من البيانات الرسمية، بل من لحظات الحروب حين تسقط الأقنعة دفعة واحدة. ولهذا، لم يكن تصريح السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بأن إسرائيل أرسلت بطاريات “القبة الحديدية” وطاقمًا عسكريًا إلى الإمارات للمساعدة في التصدي للهجمات الإيرانية، مجرد تفصيل عسكري عابر، بل إشارة سياسية واستراتيجية”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
ما بعد صندوق الاقتراع: كيف تبدأ الديمقراطية في التصدع؟

ما بعد صندوق الاقتراع: كيف تبدأ الديمقراطية في التصدع؟

لا يُقاس رسوخ الديمقراطية بمجرد الإقبال على صناديق الاقتراع، بل يتوقف أيضًا على طبيعة الممارسات السياسية التي تحكم العلاقة بين الأحزاب المتنافسة. فالديمقراطية لا تكتمل بإجراء الانتخابات وحده، وإنما تحتاج إلى احترام نتائجها القانونية، والتداول السلمي للسلطة، وصون حقوق المعارضة، وضمان قدرتها على التعبير والوصول إلى المجال العام، إلى جانب إتاحة فرص عادلة للتنافس السياسي.

د. طلال الخزرجي
الاثنين، ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ليبيا… بعد ليلة سقوط المستشار

ليبيا… بعد ليلة سقوط المستشار

المستشار عقيلة صالح الذي تربَّع على كرسي رئاسة مجلس النواب الليبي اثنتي عشرة سنة (2014 – 2026)، أُزيح عنه في أقل من أربع وعشرين ساعة. جاءت الإزاحة فجأة، وبدَفعةٍ واحدةٍ من أغلبية النواب، الذين صوّت منهم نحو 98 نائباً لصالح تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، بحيث تُحدَّد ولاية الرئاسة بعام واحد وتُجرى انتخابات فورية. لكن سيناريو

جمعة بوكليب
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أرض الحرمين ليست ساحة للابتزاز الحوثي

أرض الحرمين ليست ساحة للابتزاز الحوثي

لا ينبغي أن يُقاس أمن السعودية بقدرتها على امتصاص الهجمات، ولا أن يُطلب منها التعايش مع استهداف منشآتها المدنية باعتباره كلفة طبيعية للصراع الإقليمي. فحماية المواطنين والمقيمين والمصالح الاقتصادية ليست مجرد مسؤولية أمنية، بل شرط لتمكين المملكة من مواصلة مسيرتها التنموية واتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن التهديد المسلح. يعيد الهجوم على مطار الملك خالد الدولي

محمد فال معاوية
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الحوثي وأطفال اليمن المساكين

الحوثي وأطفال اليمن المساكين

من قبائح ما تفعله الميليشيات في العالم هو تجنيد الأطفال وهم في غضاضة صِباهم، في الـ12 من عمرهم، بعدما تكون قد سمّمت -ولا أقول غسلت- عقولهم بطعامها الفكري الأسود. إيران تفعل هذا السلوك الميليشياوي، وهي التي يُفترض بها أن تكون دولة، وليس هذا الاتهام معتمداً على تقرير وزارة الخارجية الأميركية الأخير بشأن الاتجار بالبشر، الذي

مشاري الذايدي
السبت، ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة