الرئيسية/مقالات/هرمز.. من يملك مفتاح الطاقة في لحظة الانفجار؟
مقالات

هرمز.. من يملك مفتاح الطاقة في لحظة الانفجار؟

نادر الشامي – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية وشؤون الطاقة تصاعد التوترات الإقليمية يعيد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد العالمي، حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا مع رهانات الطاقة في لحظة دقيقة قد تعيد تشكيل معادلات النفوذ والاقتصاد.

د. نادر الشامي – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية وشؤون الطاقة

تصاعد التوترات الإقليمية يعيد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد العالمي، حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا مع رهانات الطاقة في لحظة دقيقة قد تعيد تشكيل معادلات النفوذ والاقتصاد.

لطالما شكّل مضيق هرمز إحدى أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي، لكن التطورات الأخيرة أعادته إلى واجهة الأحداث بوصفه عقدة استراتيجية تتقاطع عندها الجغرافيا مع الاقتصاد والسياسة. فهذا الممر البحري الضيق، الذي تعبر منه نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر للنقل، بل تحوّل إلى أداة ضغط في قلب صراع إقليمي متصاعد.

تكمن أهمية هذا الممر في كونه شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، إذ تعتمد عليه دول الخليج بشكل شبه كامل في تصدير النفط والغاز إلى الأسواق الدولية. وبالتالي، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة لا ينعكس فقط على الدول المنتجة، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي برمّته، من أسعار الطاقة إلى سلاسل الإمداد والتضخم والنمو.

في ظل التصعيد بين إيران وخصومها، يبرز المضيق كورقة استراتيجية شديدة الحساسية. فطهران تدرك أن قدرتها على التأثير في تدفق الطاقة تمنحها هامشًا مهمًا في معادلة الردع، وتتيح لها استخدام هذا الممر الحيوي كوسيلة ضغط في مواجهة العقوبات والضغوط الدولية. في المقابل، تنظر القوى الغربية إلى أمن الملاحة فيه باعتباره خطًا أحمر، نظرًا لارتباطه المباشر باستقرار الاقتصاد العالمي.

هذه المعادلة المتشابكة تضع المضيق في قلب توازن دقيق: قدرة على التعطيل من جهة، وإصرار على الحماية من جهة أخرى. وبين الطرفين، تتحرك المنطقة على إيقاع تصعيد محسوب، لكنه قابل للانفلات في أي لحظة. فمجرد حادث أمني محدود أو سوء تقدير في الحسابات قد يكون كافيًا لإشعال أزمة واسعة تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.

ولا تقتصر تداعيات هذا التوتر على الجانب الأمني، بل تمتد بسرعة إلى الأسواق العالمية. إذ تتفاعل أسعار النفط بشكل فوري مع أي مؤشرات على تهديد الإمدادات، ما يخلق حالة من القلق وعدم اليقين لدى المستثمرين والدول المستهلكة. غير أن المسألة لا تتعلق فقط بتقلب الأسعار، بل أيضًا بمدى قدرة النظام الاقتصادي العالمي على امتصاص الصدمات في ظل بيئة دولية مضطربة.

في مواجهة هذه المخاطر، تسعى دول الخليج إلى تقليل الاعتماد على هذا الممر من خلال تطوير بدائل استراتيجية، مثل خطوط الأنابيب العابرة للحدود أو توسيع قدرات التصدير عبر موانئ خارج نطاقه. كما تستثمر في بنى تحتية جديدة تعزز مرونة سلاسل الإمداد. إلا أن هذه الجهود، على أهميتها، لا تزال محدودة التأثير مقارنة بالدور المركزي الذي يلعبه هذا الممر في تجارة الطاقة العالمية.

في السياق ذاته، تبرز أهمية الترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية الهادفة إلى حماية الملاحة. فوجود القوات البحرية الدولية، وتكثيف الدوريات، ومحاولات التنسيق بين الدول المطلة عليه، كلها أدوات تهدف إلى تقليل المخاطر. لكن هذه الترتيبات تواجه تحديات حقيقية في ظل تباين المصالح السياسية وغياب الثقة وتداخل الأجندات الإقليمية والدولية.

هنا يبرز السؤال الجوهري: من يملك فعليًا “مفتاح” هذا الممر الحيوي؟ الإجابة ليست بسيطة. فإيران تمتلك القدرة الجغرافية والعسكرية على التأثير في حركة الملاحة، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن أي محاولة لإغلاقه بشكل كامل ستكلفها ثمنًا باهظًا سياسيًا واقتصاديًا. وفي المقابل، تملك القوى الغربية وحلفاؤها القدرة على حماية الممر وضمان استمرارية تدفق الطاقة، لكنها لا تستطيع توفير أمن مطلق في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار.

هذه المعادلة تكرّس حالة من “الردع المتبادل غير المستقر”، حيث يمتلك كل طرف أدوات ضغط مؤثرة دون أن يكون قادرًا على حسم المعادلة لصالحه بشكل كامل. وهو ما يجعل هذا الممر ساحة اختبار مستمرة لإرادة الأطراف، ومؤشرًا حساسًا على اتجاهات التصعيد أو التهدئة في المنطقة.

ولا يمكن النظر إلى هذه الأزمة بمعزل عن السياق الأوسع للصراعات في الشرق الأوسط. فالتوترات في الخليج، والتشابكات في العراق، والتصعيد في ساحات أخرى، كلها تتقاطع عند هذا الممر الحيوي، ما يعني أن أي تصعيد في إحدى هذه الجبهات قد ينعكس مباشرة على أمن الملاحة فيه.

في المحصلة، لا يبدو أن أيًا من الأطراف يرغب في الوصول إلى مواجهة شاملة، لما تحمله من كلفة باهظة على الجميع. غير أن استمرار التصعيد، وتآكل أدوات الاحتواء، وارتفاع منسوب المخاطر، كلها عوامل تجعل من سيناريو الانفجار احتمالًا قائمًا، حتى وإن لم يكن مقصودًا.

يبقى هذا الممر في نهاية المطاف أكثر من مجرد ممر مائي. إنه نقطة ارتكاز في معادلة معقدة تجمع بين الطاقة والسياسة والأمن. وأي خلل فيه لا يهدد فقط تدفق النفط، بل قد يعيد تشكيل ملامح النظام الدولي بأسره. وفي ظل هذا الواقع، يظل السؤال مفتوحًا: هل يبقى ورقة ضغط محسوبة، أم يتحول إلى شرارة أزمة كبرى يصعب احتواؤها؟

"
“د. نادر الشامي – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية وشؤون الطاقة تصاعد التوترات الإقليمية يعيد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد العالمي، حيث تتقاطع حسابات الجغرافيا مع رهانات الطاقة في لحظة دقيقة قد تعيد تشكيل معادلات النفوذ والاقتصاد. لطالما شكّل مضيق هرمز إحدى أكثر النقاط حساسية في النظام الدولي، لكن التطورات الأخيرة أعادته إلى واجهة الأحداث”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
من اليمن إلى الأردن… حاربوا الإرهاب

من اليمن إلى الأردن… حاربوا الإرهاب

لا بد أن تتصدى للإرهاب قيادة كل بلد مع قوى المجتمع التنويرية الوطنية وتجتهد في تقليص فرص ظهوره شتان بين دولةٍ غدت فيها الاضطرابات ديدناً، وأخرى ديدنها مجابهة نوازع الاضطراب والتصدي لمختلف أشكال الإرهاب حال وقوعها. إنما يبقى الهم أو الجرح العربي واحداً من المحيط إلى الخليج، ومن الشام إلى اليمن. لذا يتَضامنَ العربُ -بمن

لطفي فؤاد نعمان
الخميس، ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
من أجل روح الخليج

من أجل روح الخليج

لماذا نشأ مجلس التعاون لدول الخليج العربية؟! الهدف الجوهري هو «تعزيز» الارتباط وتعظيم المصالح وصون أمن ورخاء ومستقبل شعوب هذه الدول. لستُ بحاجة للرجوع إلى مواثيق التأسيس ووثائقه، هي موجودة في المواقع الرسمية لأمانة المجلس، وهي مبثوثة على مدى جلسات المجلس منذ أول يوم في 25 مايو (أيار) 1981 خلال القمة الأولى التي عُقدت في

مشاري الذايدي
الخميس، ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أول عسكري وآخر مدني… الزعيم الخائن

أول عسكري وآخر مدني… الزعيم الخائن

من تذمّر حسني الزعيم من السياسيين إلى تساؤلات القوتلي عن صلة الانقلاب بموقفه من فلسطين، نتابع مع مذكّراته تفاصيل الأيام التي سبقت سقوطه: «ذهب الزعيم إلى منزل السيد خالد بك العظم، الذي خلف جميل مردم بك في رئاسة الحكومة وفي وزارة الدفاع في خريف عام 1948، ليشكو إليه تصرفات فيصل العسلي. كان معه بعض الضباط

سمير عطا الله
الخميس، ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ترامب في مأزق، وقد يهاجم إيران مجدداً.. كيف يمكن تجنّب هذه الكارثة؟

ترامب في مأزق، وقد يهاجم إيران مجدداً.. كيف يمكن تجنّب هذه الكارثة؟

بمجرد انتهاء انتخابات التجديد النصفي، سيصبح ترامب أكثر تحرراً للتحرك وفق سياسة الانتقام. لكن يمكن كبح جماحه بالإرادة والدبلوماسية. مع اقتراب كارثة جديدة تتعلق بإيران، يبرز سؤال أهم من أي شيء آخر: كيف يمكن منع وقوعها قبل فوات الأوان؟ وبغض النظر عن النتيجة النهائية للانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة الأسبوع المقبل، يبدو أن

سايمون تيسدال
الأربعاء، ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة