الرئيسية/مقالات/«المواطن المستقر».. وأمركة العالم
مقالات

«المواطن المستقر».. وأمركة العالم

خالد عمر بن ققه تسعى دول العالم – كل واحدة حسب قدرتها ونظمها القانونية والسياسية والاجتماعية – إلى أن يكون الاستقرار لديها مدخلاً للتطور، باعتباره يبعد الأوطان عن الفوضى التي تعطل مسيرتها التنموية والحضارية.

خالد عمر بن ققه

تسعى دول العالم – كل واحدة حسب قدرتها ونظمها القانونية والسياسية والاجتماعية – إلى أن يكون الاستقرار لديها مدخلاً للتطور، باعتباره يبعد الأوطان عن الفوضى التي تعطل مسيرتها التنموية والحضارية. غير أن الدفع نحو الاستقرار أو حتى تمني حدوثه وديمومته يختلف بين الدول، وتلك حالة أولى لم يقف عندها التنظير كثيراً رغم شموليتها المعرفية لجهة البحث والدراسة، بما فيها تلك التي شملها التطبيق.

وهناك حالة ثانية تتشكل اليوم على نطاق واسع، تُفضي فيها السياسات – بقصد أو من دونه – إلى تغيير حياة المواطن المستقر وتحويلها إلى فوضى، قد يراها صانع القرار خلال فترة حكمه النمط الجديد للعيش، حتى لو اقتصرت على قلة من المواطنين.

تلك تأتي متبوعة بتناقض في الأساليب والأهداف مع الحالة الأولى، علماً بأن الأخيرة تراكمت منجزاتها عبر يسر العيش وسهولته لعقود، وبدت في تعبير عن استقرار شكّل نوعاً من الديمومة، كما تطورت في منجزات من نتائج نضال الشعوب – في الغرب خاصة – ومن التطبيقات العملية للتشريعات والقوانين، كما هي الحال في الأنظمة الديمقراطية الغربية، وإن كانت لا تخلو من نقائص شكلت في النهاية ديكتاتورية الديمقراطيين.

وبالعودة إلى الحالة الثانية التي آلت إليها حياة «المواطن المستقر»، نجدها تظهر اليوم في أشكال جديدة – وهي ليست نهائية – من «الاستعمار الحديث»، آخذة في صناعة حضور جمعي يدخل البشرية كلها في حالة اللايقين، نتيجة الإصرار على فرض القوة المادية والعسكرية، والابتعاد – قصداً – عن القوة الناعمة.

تتمّ تلك من منطلق قيام عصر جديد تصنعه الدول القوية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. والأمر هنا لا يخص المجتمعات الأخرى القريبة منها أو البعيدة فحسب، بل يشملها أيضاً، مع أن الشعارات التي رفعها الرئيس دونالد ترامب والقرارات والمواقف التي يتخذها تتضمن قولاً يؤكد على «أمريكا أولاً»، ذلك الشعار الذي يعلن حضوره عالمياً في عدد من الدول، بما في ذلك دول العالم الثالث.

كل المعطيات الظاهرة – كما في الصيغة المطروحة حالياً – الخاصة بأمركة العالم من باب فرض القوة، تؤكد أن التهديد المباشر موجه للطبقة العاملة، لكن بعيداً عن المفهوم الماركسي للبروليتاريا، لكون الطبقة هنا ستتسع لتشمل أصحاب الأموال الأقل ثراء مقارنة بأولئك الذين يسعى الرئيس ترامب لجعلهم بديلاً عن المواطن المستقر، ليس فقط لأنهم العمود الفقري لتحقيق رؤيته الرأسمالية في توحشها وتوسعها وإجرامها أيضاً، وإنما أيضاً لأنهم يدعمون قراراته، بما فيها تلك التي تعمل على تحويل الحروب إلى فتنة لا تضع أوزارها، وإن أصبحت على العكس من ذلك لضرورات معينة، فإن العودة إليها تبقى مشروعة دائماً.

من العلامات الدالة على ذلك ما نراه منذ أكثر من ثلاثة أشهر، وأقصد هنا الحرب الدائرة في منطقة الخليج العربي، والتي يدفع ثمنها المادي والبشري والزمني سكان المنطقة كلها، وهؤلاء لا يعنيهم الرئيس ترامب شيئاً ما دامت الحرب مستمرة خارج الأراضي الأمريكية.

ليست الحرب الدائرة الآن – التي ترجح العنف على الحوار وتفرض عدم اليقين على العالم كله، خاصة دول المنطقة – بعيدة عن حصيلة النتائج المنتظرة للمواطن المستقر عالمياً، الذي تحول خوفه من اضطراب حياته اقتصادياً واجتماعياً، أي خوفاً من انتهاء الحضور، إلى خوف من نهاية الوجود.

من المتوقع أن تزيد مساحة الخوف تلك، بما يشير إلى دخولنا عصراً جديداً يجمع بين تصدير «الأمركة» في شكلها الجديد، وهو آتٍ من تراكمات لعقود من الانتصارات – الوهمية والحقيقية – وبين القوة باعتبارها الوجه الأكثر بشاعة لخوف رسمي من مستقبل يتراجع فيه الدور الأمريكي على المستوى العالمي، حلّ زمانه، وتغدو أمريكا عندها مجرد ذكريات مسجلة لمدنية سادت ثم بادت، في دورة دائمة لتاريخ كل الأمم السابقة والحالية واللاحقة.

"
“خالد عمر بن ققه تسعى دول العالم – كل واحدة حسب قدرتها ونظمها القانونية والسياسية والاجتماعية – إلى أن يكون الاستقرار لديها مدخلاً للتطور، باعتباره يبعد الأوطان عن الفوضى التي تعطل مسيرتها التنموية والحضارية. غير أن الدفع نحو الاستقرار أو حتى تمني حدوثه وديمومته يختلف بين الدول، وتلك حالة أولى لم يقف عندها التنظير كثيراً”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
ما بعد صندوق الاقتراع: كيف تبدأ الديمقراطية في التصدع؟

ما بعد صندوق الاقتراع: كيف تبدأ الديمقراطية في التصدع؟

لا يُقاس رسوخ الديمقراطية بمجرد الإقبال على صناديق الاقتراع، بل يتوقف أيضًا على طبيعة الممارسات السياسية التي تحكم العلاقة بين الأحزاب المتنافسة. فالديمقراطية لا تكتمل بإجراء الانتخابات وحده، وإنما تحتاج إلى احترام نتائجها القانونية، والتداول السلمي للسلطة، وصون حقوق المعارضة، وضمان قدرتها على التعبير والوصول إلى المجال العام، إلى جانب إتاحة فرص عادلة للتنافس السياسي.

د. طلال الخزرجي
الاثنين، ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
ليبيا… بعد ليلة سقوط المستشار

ليبيا… بعد ليلة سقوط المستشار

المستشار عقيلة صالح الذي تربَّع على كرسي رئاسة مجلس النواب الليبي اثنتي عشرة سنة (2014 – 2026)، أُزيح عنه في أقل من أربع وعشرين ساعة. جاءت الإزاحة فجأة، وبدَفعةٍ واحدةٍ من أغلبية النواب، الذين صوّت منهم نحو 98 نائباً لصالح تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، بحيث تُحدَّد ولاية الرئاسة بعام واحد وتُجرى انتخابات فورية. لكن سيناريو

جمعة بوكليب
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
أرض الحرمين ليست ساحة للابتزاز الحوثي

أرض الحرمين ليست ساحة للابتزاز الحوثي

لا ينبغي أن يُقاس أمن السعودية بقدرتها على امتصاص الهجمات، ولا أن يُطلب منها التعايش مع استهداف منشآتها المدنية باعتباره كلفة طبيعية للصراع الإقليمي. فحماية المواطنين والمقيمين والمصالح الاقتصادية ليست مجرد مسؤولية أمنية، بل شرط لتمكين المملكة من مواصلة مسيرتها التنموية واتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن التهديد المسلح. يعيد الهجوم على مطار الملك خالد الدولي

محمد فال معاوية
الأحد، ١١ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
الحوثي وأطفال اليمن المساكين

الحوثي وأطفال اليمن المساكين

من قبائح ما تفعله الميليشيات في العالم هو تجنيد الأطفال وهم في غضاضة صِباهم، في الـ12 من عمرهم، بعدما تكون قد سمّمت -ولا أقول غسلت- عقولهم بطعامها الفكري الأسود. إيران تفعل هذا السلوك الميليشياوي، وهي التي يُفترض بها أن تكون دولة، وليس هذا الاتهام معتمداً على تقرير وزارة الخارجية الأميركية الأخير بشأن الاتجار بالبشر، الذي

مشاري الذايدي
السبت، ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة