
د. سامي الحاج – كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية
هدنة غير مستقرة في جنوب لبنان تعيد طرح سؤال أعمق حول طبيعة التهدئة في المنطقة: هل هي بداية مسار احتواء للصراع، أم مجرد توقف مؤقت يسبق انفجارًا أوسع في الإقليم؟
تشكل الهدنات في الشرق الأوسط عادةً لحظات ملتبسة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها السياسي والعسكري. فهي لا تعني بالضرورة نهاية الصراع، بقدر ما تعكس في كثير من الأحيان إعادة تموضع مؤقتة للأطراف المتنازعة ضمن حسابات أكثر تعقيدًا. وفي هذا الإطار، تأتي الهدنة الأخيرة في جنوب لبنان لتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعتها وحدودها وآفاقها المستقبلية.
لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية الدقيقة، ظل لعقود ساحة لتقاطع النفوذ والصراعات الإقليمية. ومع تصاعد التوتر بين إسرائيل والفاعلين المرتبطين بإيران في المنطقة، عاد الجنوب اللبناني مجددًا إلى واجهة المشهد بوصفه إحدى أكثر النقاط حساسية على خريطة الاشتباك غير المباشر.
الهدنة الحالية تبدو في ظاهرها محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها مرتفعة على جميع الأطراف. إلا أن القراءة الأعمق تكشف أنها تعكس توازنًا هشًا أكثر مما تعكس تسوية مستقرة. فكل طرف يدخل هذه الهدنة من موقع مختلف، وبأهداف لا تتطابق مع أهداف الطرف الآخر.
من جهة إسرائيل، يمنح الهدوء النسبي على الجبهة الشمالية مساحة لإعادة ترتيب الأولويات العسكرية والسياسية، سواء على مستوى الجبهة الداخلية أو في ساحات أخرى تشهد توترًا متصاعدًا. فالتهدئة هنا ليست بالضرورة خيارًا استراتيجيًا دائمًا، بقدر ما هي فرصة لإدارة الوقت وتخفيف الضغط العملياتي.
في المقابل، تنظر القوى المرتبطة بإيران إلى هذا النوع من الهدنات ضمن منطق مختلف. فالحفاظ على مستوى منخفض من التوتر قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على “الضغط المحسوب”، بما يسمح بإبقاء أوراق الردع قائمة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير محسوبة النتائج. وهنا تتحول الهدنة إلى أداة ضمن معادلة ردع ممتدة وليست نهاية للصراع.
هذا التباين في الأهداف يجعل من الهدنة حالة مؤقتة بطبيعتها، لا ترتكز على تسوية سياسية شاملة، بل على إدارة مؤقتة للتصعيد. ومع غياب إطار سياسي واضح يعالج جذور الصراع، تبقى احتمالات العودة إلى المواجهة قائمة، سواء بشكل محدود أو على نطاق أوسع.
الأخطر في هذا المشهد أن أي انهيار محتمل للهدنة في لبنان قد لا يبقى محصورًا ضمن حدوده الجغرافية الضيقة. فطبيعة الصراع الحالي في المنطقة لم تعد معزولة أو محلية، بل باتت مترابطة بين عدة ساحات تمتد من جنوب لبنان إلى سوريا، مرورًا بالعراق وصولًا إلى البحر الأحمر. هذا التشابك يجعل من أي شرارة محلية قابلة للتحول إلى أزمة إقليمية متعددة الجبهات.
كما أن تداخل الفاعلين الإقليميين والدوليين في هذا الملف يزيد من تعقيد المشهد. فهناك أطراف تمتلك نفوذًا مباشرًا على الأرض، وأخرى تمارس تأثيرًا غير مباشر عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الاستخباري، ما يجعل من إدارة الأزمة عملية معقدة تتجاوز قدرة أي طرف منفرد على الحسم أو الاحتواء.
في هذا السياق، يبرز دور المجتمع الدولي كعامل ضغط ومحاولة لاحتواء التصعيد ومنع انهيار الهدنة. إلا أن هذا الدور يظل محدود الفاعلية في ظل تضارب المصالح بين القوى الكبرى، وغياب رؤية موحدة لكيفية إدارة الصراع في الشرق الأوسط. فالأدوات الدبلوماسية المتاحة تبدو أقل تأثيرًا أمام واقع ميداني سريع التحول.
اقتصاديًا، ينعكس هذا التوتر المستمر على استقرار المنطقة بشكل مباشر، سواء من حيث المخاطر الأمنية أو تدفقات الاستثمار أو حتى حركة التجارة الإقليمية. فحالة “اللا حرب واللا سلم” تخلق بيئة غير مستقرة، تجعل من التخطيط طويل المدى أمرًا شديد الصعوبة.
أما داخليًا في لبنان، فإن استمرار هذه الحالة من الهدوء غير المستقر يضيف طبقة جديدة من الضغط على الدولة ومؤسساتها، في ظل وضع اقتصادي هش أصلًا، وبنية سياسية معقدة تتأثر بشكل مباشر بأي تطور إقليمي.
في المحصلة، تبدو الهدنة في لبنان أقرب إلى استراحة على حافة الانفجار منها إلى مسار تهدئة حقيقي. فهي تمنح الأطراف فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع، لكنها لا تقدم ضمانات حقيقية للاستقرار. وبين منطق التهدئة ومنطق التصعيد، يبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، في منطقة لم تعد تعرف الخط الفاصل بين وقف النار وبداية الحرب.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]