
فهد سليمان الشقيران
لم يكن الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر من عرض الأسماء العابرة؛ وإنمّا نحت اسمه في تاريخ الفلسفة، ما عاد استنطاق المفاهيم الفلسفية ليتمّ لولا المغامرة المفهومية والتأمليّة التي بوّبها على طريقته ضمن قنطرةٍ هي بين الوجودية والظاهراتية.
لقد أثار الجدل الفلسفي من جهةٍ، ومن جهة أخرى وشوش على مناوئيه سياسياً حيث اتُّهم ب:«النازية» في آخر سنينه.
ألقى موقفه من «النازية» ظلالاً كثيفة على اسمه، مما حدا بفيلسوف زميل وصديق له في تقييم كتبه في جامعة فرايبورغ في نهاية عام 1945 إلى أن يكتب عنه ل«لجنة التطهير السياسي» وجاء فيه: «عقلية هيدغر في ماهيتها غير حرة تماماً، بل ديكتاتورية وغير تواصلية».
كانت شخصية هيدغر مكثّفة بين طلابه، وكانت حياته هي فلسفته، غير أن الأهم موضوع فلسفته وجوهرها. ربما كان كتابه «الكينونة والزمان» الصادر لأول مرة عام 1927 من بين أهم كتبه، بالإضافة إلى شروحاته ومحاضراته، من بينها كتابه عن «الشيء في ذاته» متداخلاً مع مقولة كانط، هذا فضلاً عن كتابه «نيتشه» الذي يعد أبرز دراسة فلسفية عن نيتشه وطبع في مجلدين، ودراسته أيضاً في المقارنة بين مذهبي هيغل وشلنغ، بالإضافة إلى محاضرات في مناقشة مفاهيم وفلسفات كانت تشغله وضمن حيز التدريس، أما أعماله الكاملة التي بدأت في الظهور عام 1975 فزادت على مائة مجلد.
كانت مهمة هيدغر أن يغير من أساليب البحث الفلسفي حول «الوجود» ومشكلاته، فتجاوز الدرس التقليدي، وتجاوز أستاذه إدموند هوسرل الذي نفى أن تكون فلسفته يمكن أن تولد نزعة وجودية. تجاوز طريقة البحث التي تقوم على القبض على الوجود المطلق ومن ثم يجري تحديد الموجودات الأخرى.
مثلاً؛ الأستاذ مطاع صفدي في دراسة له عن «الكينونة المنسية» ضمن كتابه «استراتيجية التسمية» يشرح أن «هيدغر انطلق أولاً من تحديد معنى الوجود الإنساني، وتحليل صيغه، بصورة لم يسبق أن عرفت الفلسفة»، عادّاً تحليل وجود الإنسان هو الوسيلة الوحيدة، والحقيقية، التي يمكنها أن تطلعنا على حقيقة الوجود المطلق. غاية الفلسفة في كتابه «الكينونة والزمان» أن تحدد مشكلة الوجود والكينونة الشاملة.
إنه لمن المهم التركيز على مشروعٍ أساسيّ صدر قبل أيامٍ للأستاذ خالد الغنامي بعنوان «قاموس هيدغر»، وهو نتاج جهدٍ حثيث استمرّ لسنواتٍ وأحسبُ أنه من أفضل ما كتب عن جوهر فلسفة هيدغر ومفاهيمها المعقّدة.
عرَض محتوى الكتاب الأستاذ عماد الدين موسى في مجلة «المجلة»، ومن ضمن قوله إن «المؤلف يدرك أن فكر هايدغر يقاوم الاختزال، وأن أي محاولة لتحويله إلى تعريفات قاطعة تفرغه من توتره الخلاق، لذلك يقدم القاموس بوصفه فعل تأويل مستمراً، يصبح كل مدخل فيه فرصة لإعادة التفكير في المفهوم، وفي سياقه الوجودي، وفي تحولاته داخل مشروع هايدغر. يقول في أحد المقاطع التي تحدد أفق الكتاب: (هذا القاموس ليس شرحاً نهائياً، بل دعوة للقراءة المتعمقة والمستمرة، لأن فكر هايدغر لا يتجلى في تعريفات ثابتة، بل في حركة فهم وتأويل لا تنتهي، حيث يكون كل تأويل وجهاً آخر للفهم، وكل فهم خطوة في طريق الكشف)».
الخلاصة؛ أن كتاب «قاموس هيدغر» الذي ألفه الغنامي يأتي في سياق ترتيب وشرح المفاهيم التي طرحها الفيلسوف للقارئ العربي، لقد كانت مهمة هيدغر أن يغير من أساليب البحث الفلسفي حول «الوجود» ومشكلاته، إذ تجاوز الدرس التقليدي، وتجاوز حتى أستاذه إدموند هوسرل الذي نفى أن تكون فلسفته يمكن أن تولد نزعة وجودية. نعم لقد تجاوز طريقة البحث التي تقوم على القبض على الوجود المطلق ومن ثم يجري تحديد الموجودات الأخرى.
إن كتاب «قاموس هيدغر» مرجعٌ ثري لفهم الخريطة الأساسية التي انطلق منها هيدغر، وما كان فيلسوفاً عادياً بل أثار الجدل المحتدم، وأيقظ الفلاسفة من سباتهم، وآية ذلك أن مفاهيمه وإشكالاتِه النظرية لا تزال تطرح وتُناقش حتى اليوم.

خالد عمر بن ققه فقدت السّاحات المغْربيّة والمغَاربيّة والعربيّة فى 30 يناير الماضى 2026م، الفنان صاحب الصوت الجامع «عبدالهادى بلخيّاط» (1940- 2026م)، الذى كان حضوره عابراً للحدود، وعاملاً على ترقية الذائقة الفنيّة، ومتمكنا من السكن فى القلوب، خاصة فى العقد الأخير من حياته عندما تحوَّل إلى الإنشاد الدينى. كنت أودّ التقرب منه كتابة منذ سماع [...]

مشاري الذايدي وجود العدو والخطر الخارجي، يكون في بعض الأحيان مُفيداً في تأجيل النظر في بعض المُستحقّات الحياتية وواجبات المسؤولية اليومية المعاشية، وينفعُ أيضاً في رفع الروح الوطنية الجامحة، وتهميش كل الأمور الأخرى، فلا صوت يعلو على صوت المعركة. الآن، ومع الحديث المتواتر عن قرب إنهاء المشكلة الإيرانية، إمّا بالتفاوض السياسي وإما بالردع العسكري بين [...]

مروان الأمين سُوّقت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب تحت عنوان: "عودة الدولة إلى الجنوب". عنوان جرى تعميمه بسرعة حتى تحوّل إلى ما يشبه "Trend"، وكأن الدولة كانت غائبة. هذه الزيارة ليست الأولى للرئيس سلام إلى الجنوب. في زيارته السابقة، قوبل بحملة تحريض واضحة من "الثنائي الشيعي"، كونها حصلت من دون تنسيق مسبق معه. [...]

رفيق خوري خطاب البداية كلاسيكي كالعادة، أميركا وإيران ترفعان شعاراً واحداً من موقعين وموقفين مختلفين: الأولوية للتفاوض، لكننا على استعداد للحرب. ولا أحد يعرف إلى متى يستمر اختبار التفاوض بعد جولة عمان بين موفد الرئيس دونالد ترمب إلى كل مكان ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر وبين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، غير أن الكل يدرك [...]

محمد الرميحي لا خلافَ على حقيقة تاريخية في أنَّ اليهود في أوروبا خلال الحقبة النازية تعرّضوا لإبادة جماعية ممنهجة، قائمة على العنصرية الصريحة، والقتل الصناعي، ونزع الإنسانية، وذهب ضحيتها نحو ستة ملايين يهودي، إضافة إلى ملايين من الغجر والسلاف وغيرهم. هذه الجريمة ليست موضع نقاش، ولا ينبغي أن تكون، ولهذا أصبح التذكّر جزءاً من الوعي [...]

سليمان جودة لا بدّ أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كان أسعد الناس، وهو يسمع من الرئيس السوري أحمد الشرع حديثه عن الثلج المتراكم بكميات كبيرة في طريق المطار إلى الكرملين، وكيف أن مشهد الثلج قد استوقفه على طول الطريق. كان ذلك خلال الزيارة التي قام بها الشرع إلى روسيا آخر يناير، وكان الخبر عنواناً في [...]