
محمد فال معاوية
في لحظةٍ إقليمية تتسم بكثافة الإشارات المتناقضة بين التهدئة والتصعيد، لم يكن ما شهدته دولة الإمارات حدثاً عابراً يمكن احتواؤه ضمن السياق الأمني التقليدي، بل بدا أقرب إلى رسالة استراتيجية مركّبة، تختبر حدود الردع، وتعيد صياغة معادلة التوازن في الخليج. فالسؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق فقط بكيفية وقوع الهجوم، بل بدلالاته الأعمق: لماذا الإمارات تحديداً؟ ولماذا الآن؟
الإجابة تبدأ من موقع الإمارات ذاته في المشهد الإقليمي. فالدولة التي رسّخت خلال العقدين الماضيين نموذجاً يقوم على الاستقرار الاقتصادي والانفتاح السياسي النسبي، لم تعد مجرد فاعل تنموي، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز في شبكة معقدة من العلاقات الدولية، تمتد من واشنطن إلى آسيا، مروراً بشراكات إقليمية متشابكة. هذا الحضور المتوازن، الذي شكّل مصدر قوة، جعله في الوقت ذاته عرضة لاختبارات ضغط، تسعى إلى قياس مدى صلابته وحدود تأثيره.
حين أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية اعتراض صواريخ ومسيّرات قادمة من اتجاه إيران، فإن الحدث لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً بامتياز. فطبيعة الهجوم، من حيث الأدوات والتوقيت، تعكس تحوّلاً في أنماط الاشتباك، حيث لم تعد المواجهة تُدار عبر الحروب التقليدية، بل عبر أدوات مرنة، منخفضة الكلفة، قادرة على إيصال رسائل دقيقة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.
في المقابل، جاء النفي الإيراني، كما عبّر عنه عباس عراقجي، ليعكس سمة أساسية في إدارة هذا النوع من الصراعات: الفصل بين الفعل والإعلان. فالدول، في بيئة إقليمية معقدة كهذه، قد تجد نفسها مضطرة إلى استخدام أدوات ضغط غير مباشرة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خطاب سياسي يدعو إلى التهدئة. هنا، لا يكون التناقض دليلاً على الارتباك، بل جزءاً من استراتيجية محسوبة.
غير أن ما يضفي على المشهد خطورته الحقيقية هو تزامن هذا الحدث مع تصعيد في الخطاب الدولي، خصوصاً من جانب دونالد ترامب، الذي رفع سقف التهديد إلى مستويات غير مسبوقة. هذه اللغة، وإن بدت في ظاهرها تعبيراً عن قوة الردع، إلا أنها في بيئة مشحونة قد تفتح الباب أمام سوء تقدير، حيث تتحول الرسائل المتبادلة إلى سلسلة من ردود الفعل المتسارعة يصعب احتواؤها لاحقاً.
أما الموقف الأوروبي، الذي عبّر عنه كير ستارمر، فيعكس إدراكاً متزايداً لخطورة الانزلاق نحو مواجهة أوسع، لكنه في الوقت ذاته يكشف محدودية الأدوات المتاحة للتأثير. وبين تصعيد أمريكي، وحذر أوروبي، وإنكار إيراني، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة معقدة، تتطلب مزيجاً دقيقاً من الصلابة والمرونة.
إن أخطر ما في اللحظة الراهنة ليس احتمال الحرب الشاملة، بل اعتياد المنطقة على حافة الحرب. حين تتحول عمليات اعتراض الصواريخ إلى مشهد شبه روتيني، وحين تصبح التهديدات جزءاً من الخطاب اليومي، فإن ذلك يعني أن مستوى المخاطر يرتفع تدريجياً، وأن هامش الخطأ يتقلص إلى حد غير مسبوق.
من هنا، فإن التحدي أمام صانع القرار الإماراتي لا يقتصر على تعزيز الجاهزية الدفاعية، رغم أهميتها، بل يمتد إلى إعادة تفعيل الدور السياسي، عبر مبادرات قادرة على خفض التوتر، لا الاكتفاء بإدارته. فالإمارات، بما تمتلكه من شبكة علاقات متوازنة، قادرة على لعب دور يتجاوز حماية الداخل إلى الإسهام في إعادة ضبط الإيقاع الإقليمي.
غير أن هذا الدور يتطلب قراءة دقيقة لتحولات القوة في المنطقة: إيران التي تتحرك بين الضغط والتهدئة، الولايات المتحدة التي تعيد تعريف أدوات الردع، وأوروبا التي تبحث عن موطئ قدم في معادلة تتشكل خارجها. وفي ظل هذا التشابك، تصبح القدرة على المناورة السياسية عاملاً حاسماً، لا يقل أهمية عن التفوق العسكري.
في المحصلة، لم يكن استهداف الإمارات مجرد حادثة أمنية، بل لحظة كاشفة لطبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة: مرحلة تتآكل فيها الحدود بين السلم والحرب، وتتقدم فيها الرسائل على الوقائع، وتصبح فيها القوة عرضة للاختبار المستمر.
وبين الردع والانفجار، لا يكفي أن تمتلك الدول القدرة على الرد، بل أن تمتلك القدرة على منع الحاجة إليه. وهنا تحديداً، يتحدد الفارق بين إدارة الأزمة… وصناعة الاستقرار.

سمير عطا الله نواصل اليوم نشر أجزاء من مذكرات الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الصادرة بالفرنسية، في خصوص العلاقة مع الاتحاد السوفياتي، وهو أمر بدأنا الحديث عنه أمس وأول من أمس تحت عنوان (القذافي وجنبلاط وأبو نضال في قارب): تجدر الإشارة إلى أن السوفيات كانوا يمنحوننا بالفعل منحاً دراسية منذ العام الجامعي 1969- 1970؛ بدأت ببضع [...]

محمد فال معاوية نجحت إيران في النجاة من الحرب، لكن مستقبلها لن يُحسم على الجبهات التي صمتت مدافعها، بل في الشوارع والأسواق والبيوت التي تنتظر اليوم ثمناً ملموساً لكل ما دُفع من أثمان. فالحروب تمنح الأنظمة السياسية فرصة لتأجيل الأسئلة الصعبة تحت وطأة الخطر الخارجي، أما السلام فيعيد تلك الأسئلة دفعة واحدة، مجردة من كل [...]

محمد الحمادي أثار تصريح نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس عن إمكانية تمويل صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة قد تصل إلى 300 مليار دولار كثيراً من الجدل، وكما يحدث غالباً في النقاشات السياسية، انتشر الرقم بسرعة أكبر من فهم معناه. روّج بعض المؤيدين للنظام الإيراني للأمر وكأنه تعويضات ستُدفع لإيران، وصوّروه على أنه مكافأة ودعم [...]

سمير عطا الله قبيل الحرب الأميركية على العراق تكاثرت التصريحات الحادة وتصاعدت المواقف. وكانت فرنسا لا تزال تحاول التوسطَ والتهدئة بين الفريقين، فلما تبيَّن أن المسألة دخلت مرحلة اللاعودة، أطلق الرئيس فرنسوا ميتران تصريحه الشهير: «انتهى الأمر. دخلنا منطق الحرب». اتفاق ترمب – إيران الذي يوقَّع الجمعة في سويسرا، مدخل واسع إلى منطق الحل. لكنَّ [...]

د. محمود محيي الدين اختبرت تطورات الأسواق المالية مؤخراً ثوابت فإذا بها قد تغيرت، ومعتقدات فإذا بها قد تبدلت. فقد كان من المعتاد أن يرتفع سعر الذهب في زمن الصراعات والحرب فإذا به ينخفض. ولتبحث عن التفسير في أسعار الفائدة. فالحرب تعني ارتفاع أسعار الطاقة وسلع أخرى، فيرفع البنك الفيدرالي سعر الفائدة كبحاً للتضخم فتزيد [...]

محمد فال معاوية لا تأتي التسريبات في لحظات التفاوض الحساسة بوصفها أخطاء بروتوكولية أو تسربًا عابرًا للمعلومات، بل كثيرًا ما تتحول إلى أداة سياسية قائمة بذاتها، تُستخدم لإعادة تشكيل ميزان الضغط، واختبار حدود القبول، وتهيئة الرأي العام لصيغ لم تُحسم بعد. وفي الحالة المرتبطة بالمفاوضات الأميركية–الإيرانية، تبدو مسألة “المذكرة المسربة” أقرب إلى هذا النمط من [...]