
د. سالم الكعبي الظاهري
لم يعد أمن الخليج مجرد ملف إقليمي تقليدي، بل تحول إلى عقدة مركزية في معادلة الأمن الدولي، خاصة بعد التصعيد الأخير المرتبط بـ إيران، والذي أعاد طرح أسئلة استراتيجية عميقة حول طبيعة التهديدات، وحدود الردع، ومستقبل التوازنات في المنطقة.
الهجوم الأخير، سواء جاء بشكل مباشر أو عبر أدوات غير تقليدية، لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل رسالة سياسية وعسكرية مركبة، مفادها أن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد قائمة. وهذا ما يضع دول الخليج أمام واقع جديد، يتطلب إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن، بعيدًا عن النماذج التقليدية التي سادت لعقود.
طوال السنوات الماضية، اعتمدت دول الخليج بدرجة كبيرة على التحالفات الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، كركيزة أساسية لضمان أمنها. غير أن التحولات في السياسة العالمية، وتراجع الانخراط العسكري الأمريكي المباشر في الشرق الأوسط، كشفا عن فجوة بين التهديدات المتصاعدة وأدوات المواجهة المتاحة.
اليوم، لم يعد كافيًا امتلاك ترسانة عسكرية متطورة، بل أصبح التحدي الحقيقي يكمن في بناء منظومة أمنية متعددة الأبعاد. فالحروب الحديثة لم تعد تقليدية، بل هجينة، تجمع بين الضربات العسكرية المحدودة، والهجمات السيبرانية، والحرب الإعلامية، والضغط الاقتصادي. وهذا يعني أن الأمن الخليجي يجب أن يتوسع ليشمل حماية الفضاء الرقمي، وتأمين البنية التحتية الحيوية، خاصة في قطاعات الطاقة والموانئ.
في هذا السياق، تبرز أهمية التكامل الخليجي كخيار استراتيجي لا يمكن تأجيله. فالتحديات المشتركة تفرض تنسيقًا أعلى في مجالات الدفاع الجوي، والاستخبارات، والأمن البحري. ولم يعد مشروع “الدفاع الخليجي المشترك” مجرد طموح سياسي، بل ضرورة عملية تفرضها طبيعة التهديدات الحالية.
لكن التحدي لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى البعد السياسي والدبلوماسي. فالتعامل مع إيران يتطلب مقاربة مركبة، تقوم على مزيج من الردع والانفتاح في آن واحد. التصعيد المستمر قد يقود إلى مواجهة مفتوحة، وهو سيناريو يحمل كلفة عالية على جميع الأطراف، بينما يظل الحوار — مهما كان محدودًا — أداة ضرورية لإدارة الأزمات وتفادي الانفجار.
في الوقت نفسه، يشهد النظام الدولي تحولات عميقة نحو التعددية القطبية، ما يمنح دول الخليج فرصة لإعادة صياغة علاقاتها الخارجية. فالتقارب مع قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلى جانب الحفاظ على الشراكات التقليدية مع الغرب، يعزز من قدرة هذه الدول على المناورة الاستراتيجية، ويمنحها هامشًا أوسع لحماية مصالحها.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد. فاستقرار الخليج يرتبط بشكل مباشر بأمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية الحيوية. وأي تهديد لهذه المنظومة، سواء عبر استهداف المنشآت أو تعطيل الملاحة، ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بأمن المنطقة.
كما أن التحولات الحالية تفرض على دول الخليج تسريع خطط التنويع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على النفط، ليس فقط كخيار تنموي، بل كجزء من استراتيجية الأمن الوطني. فاقتصاد متنوع وأكثر مرونة يعني قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، والتعامل مع الأزمات.
في المحصلة، يمكن القول إن الخليج يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فالهجوم الإيراني لم يكن مجرد اختبار أمني، بل لحظة كاشفة لضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها “الأمن الصلب”، القائم على الاعتماد على الذات، والتكامل الإقليمي، والانفتاح الذكي على العالم.
هذه المرحلة لن تكون سهلة، لكنها قد تشكل فرصة لإعادة بناء منظومة أمنية أكثر تماسكًا واستدامة، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر، واستباق مخاطر المستقبل. وفي عالم سريع التغير، لا مكان للثوابت القديمة، بل فقط لمن يملك القدرة على التكيف وإعادة صياغة قواعد اللعبة.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]