
د. إلياس جمال الدين الطائي
حين يصبح القانون أداة لإلغاء حياة إنسان، وتتحول العدالة إلى آلة موت، يُكتب للفلسطينيين الفصل الأحدث من معاناتهم: المشنقة القانونية. إسرائيل لم تعد تقتل الفلسطينيين فقط في الميدان، بل تمنح القتل صفة رسمية، ويصبح الموت مشروعًا بالدستور والقوانين، كما لو أن حقوق الإنسان مجرد حبر على ورق. هذا القانون الجديد لا يقتصر على فرض العقوبة، بل يكرّس نزع الإنسانية وتجريد الفلسطينيين من كرامتهم، ويطرح سؤالًا عالميًا: ما قيمة القانون الدولي إذا كان يُحوّل إلى أداة للقتل؟
أصدرت إسرائيل هذا الأسبوع قانونًا يُضفي الطابع المؤسسي على إعدام الفلسطينيين، خطوة تؤسس لمرحلة جديدة من العنف القانوني، حيث يتحول القتل من فعل استثنائي إلى ممارسة نظامية، مدعومة بإطار قانوني يشرعن الموت. أصبح بإمكان محاكم الدولة الآن إصدار أحكام بالإعدام بحق الفلسطينيين “المدانين بارتكاب هجمات مميتة”، موسعة بذلك دائرة القمع التي طالما عانى منها الفلسطينيون، ومكرسة سياسة طويلة الأمد من نزع الإنسانية وتجريدهم من حقوقهم الأساسية.
هذا القانون لم يظهر من فراغ. فقد كان الفلسطينيون يُقتلون منذ سنوات بشكل ممنهج، سواء على يد الجيش الإسرائيلي في غزة أو الضفة الغربية، أو على يد ميليشيات المستوطنين العنيفة التي تهدف إلى تهجيرهم وطردهم من أراضيهم ومستوطناتهم. ومع ذلك، فإن القانون الجديد يجعل من هذا العنف ممارسة قانونية، ويمنحه الشرعية التي كانت مفقودة من قبل، ليصبح الموت الفلسطيني مشروعًا رسميًا تحت مظلة الدولة.
تتجلى خطورة هذا التشريع في شبكة السجون الإسرائيلية، حيث تجاوز عدد الفلسطينيين المحتجزين عشرة آلاف، كثير منهم دون محاكمة ودون أي فرصة حقيقية للدفاع عن أنفسهم. وتحت هذه الظروف القاسية، تتحول السجون عمليًا إلى معسكرات اعتقال، يعاني فيها الفلسطينيون من العنف الممنهج وسوء المعاملة والتجويع والحرمان من العلاج الطبي. لقد أودت هذه السياسة بحياة أكثر من 80 فلسطينياً خلال الفترة الأخيرة، وها هو القانون الجديد يوسع هذا الواقع، ليضيف الموت القانوني إلى موتهم اليومي.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الدول الديمقراطية نحو التخلي عن عقوبة الإعدام، اعترافًا بها انتهاكًا لحقوق الإنسان الأساسية، تصر إسرائيل على جعل القتل الفلسطيني ممارسة قانونية. هذا التشريع يعكس أيضًا خطابًا إعلاميًا يطبع القتل ويعزز العنف في الثقافة العامة، إذ أصبح الحديث عن عمليات الإعدام ونقدها شبه مستبعد، ما يرسخ الانقسام بين الإنسان الفلسطيني والمجتمع الذي يُفترض أن يحميه.
القانون الجديد هو استمرار لمسار طويل من تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، بدءًا من عمليات القتل اليومية في الضفة وغزة، وصولًا إلى احتجازهم في ظروف غير إنسانية في السجون. ويُشير إلى مرحلة جديدة، حيث يتخذ العنف طابعًا قانونيًا، ويصبح القتل مشروعًا رسميًا، ما يعكس تحولًا مجتمعيًا واسع النطاق، يُنظر فيه إلى حياة الفلسطينيين على أنها رخيصة لا قيمة لها.
على المستوى الدولي، يُمثل هذا التشريع تحديًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان. إنه يثبت أن الدولة التي تُضفي الطابع المؤسسي على إعدام فئة سكانية تحت سيطرتها، بينما تُخضعها لعنف وتمييز ممنهجين، ليست دولة ديمقراطية، بل نظام سيطرة مميتة. هذا الواقع ليس مجرد مسألة فلسطينية، بل اختبار عالمي لمصداقية القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان، إذ أن التسامح مع تفكيك القوانين الأساسية في مكان ما يُسهّل تكرار التجربة في كل مكان.
الواقع الفلسطيني اليوم يتحدث عن حياة محرومة من الكرامة، عن أطفال يعيشون في خوف دائم، وعن أسر تُحرم من أبسط حقوقها. القانون الجديد يضيف طبقة من الموت القانوني على الموت اليومي، ليصبح الفلسطينيون تحت تهديد الإعدام الرسمي، حتى قبل أن تُنطق محاكم إسرائيل بحكمها. إنه تشريع للموت، لكنه أيضًا شهادة على مدى استسلام المجتمع الدولي أحيانًا لصمت مميت أمام الانتهاكات.
ما يهم هنا ليس فقط القتل نفسه، بل الطريقة التي يُقدّم بها كقانون، ويُسوّق له إعلاميًا، ليصبح القتل مشروعًا ومبررًا في عيون البعض. إن التشريع يعكس نزعة إلى تدمير الإنسانية الفلسطينية، وجعل القتل ممارسة مقننة، بينما يبقى القاتل محميًا، والضحية بلا صوت، بلا حق، بلا أمل.
لقد أصبح النقاش الحقيقي لا يدور حول الحقائق، فهي واضحة، بل حول الجرأة على الاعتراف بما يحدث ورفضه. إن القانون الجديد ليس مجرد نص على الورق، بل انعكاس لعقلية تحاول أن تجعل الموت الفلسطيني قانونيًا، وأن تُحوّل قمعًا يوميًا إلى ممارسة مقننة، كما لو أن حياة الفلسطينيين يمكن شراؤها أو إلغاؤها بموافقة الدولة.
وفي النهاية، يُراد من هذا القانون أن يطمس الحدود بين العدالة والقوة، بين الحياة والموت، بين القانون واغتصاب الحقوق. إنه اختبار عالمي للضمير، ونداء لكل من يرفض أن تصبح الإنسانية عرضة للسياسات الانتقامية والقوانين القمعية. فلسطين اليوم ليست مجرد أرض محتلة، بل مختبر لمدى استعداد العالم للدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، أمام تشريع يمحو البشر ويكتب الموت باسم الدولة.

د. زياد فارس الحارثي قبل خمسة عشر عامًا، نشر يرجين كتابه “السعي: الطاقة والأمن وإعادة تشكيل العالم الحديث”، محذرًا من أن مضيق هرمز يمثل حجر الزاوية في أمن الطاقة العالمي. اليوم، تبدو تحذيراته أكثر واقعية من أي وقت مضى. الصراعات السياسية والاقتصادية في المنطقة لم تنتج حربًا تقليدية، لكنها أثرت بالفعل على إمدادات النفط وحياة [...]

أديتيا تشاكرابورتي لعلّ دانيال يرجين هو أشهر كاتب في مجال أسواق النفط. فقد حاز عمله على جائزة بوليتزر، واستعان بنصائحه كل رئيس أمريكي، من بيل كلينتون إلى دونالد ترامب. لنبدأ بالنظر إلى مثال. قبل خمسة عشر عامًا، قبل أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران، والتي أودت بحياة آلاف المدنيين، وقبل أن يصبح مضيق [...]

غابي هينسليف تُحدِّد قرارات رئيس الولايات المتحدة مصير ملايين البشر حول العالم، ولهذا وُضعت الضمانات الدستورية لتقييد السلطة التنفيذية ومنع أي تجاوزات محتملة للسلطة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما تزال هذه الضمانات كافية على أرض الواقع، خصوصًا مع تقدم الرئيس دونالد ترامب في السن، وتكرار ظهور سلوكيات وتصريحات مثيرة للجدل؟ يُصرّ ترامب [...]

محمد فال معاوية في السياسة، قد تُعلن الحروب نهايتها… بينما لا تزال الصواريخ في الجو.هذا بالضبط ما فعله دونالد ترامب حين أعلن أن إيران "لم تعد تهديدًا"، في وقتٍ كانت فيه العمليات العسكرية مستمرة بلا توقف.هنا لا نتحدث عن نصرٍ واضح، بل عن مفارقة صارخة: نصرٌ مُعلن… وحربٌ مفتوحة. بعد 32 يومًا من العمليات العسكرية، [...]

د. كريم عادل المناصرة التاريخ الحديث يعلمنا أن أي خيار عسكري واسع في الشرق الأوسط يحمل تبعات غير متوقعة، كما أظهرت التجارب في العراق وأفغانستان وليبيا. فالخيار العسكري قد يحقق أهدافًا محدودة على المدى القصير، لكنه غالبًا ما يترك فراغًا سياسيًا واستقرارًا هشًا على المدى الطويل، ويزيد من التعقيدات الأمنية والاقتصادية في المنطقة. في العراق [...]

سليم فهد الجابري في ظل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران المستمرة منذ أكثر من شهر، تبرز قدرة النظام الإيراني على الصمود كعامل محوري يؤثر في مسار الصراع الإقليمي. فإيران، رغم الضربات الجوية والإجراءات العسكرية المشتركة من الولايات المتحدة وإسرائيل، تواصل تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية، مما يمثل تحديًا استراتيجياً للسياسة الخارجية الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط. [...]