
د. محمود محيي الدين
اختبرت تطورات الأسواق المالية مؤخراً ثوابت فإذا بها قد تغيرت، ومعتقدات فإذا بها قد تبدلت. فقد كان من المعتاد أن يرتفع سعر الذهب في زمن الصراعات والحرب فإذا به ينخفض. ولتبحث عن التفسير في أسعار الفائدة. فالحرب تعني ارتفاع أسعار الطاقة وسلع أخرى، فيرفع البنك الفيدرالي سعر الفائدة كبحاً للتضخم فتزيد قوة الدولار ويرتفع الطلب عليه؛ فالذهب لا يمنح حامله عائداً على عكس الدولار. كما أن الذهب يقيَّم بالدولار عالمياً فارتفاع سعر الدولار يزيد تكلفة الذهب فيقل الطلب عليه. والطلب على الذهب مدفوع بمخاوف تصاحب بداية الحروب والأزمات، فعندما تتبدد المخاوف ينخفض الطلب عليه بالتبعية. كما أنه في وقت التوتر يزداد الطلب على السيولة من الدائنين، والذهب المحتفظ به أيسر تسييلاً إلى نقود فيزداد عرضه فينخفض سعره. كما تتجه بنوك مركزية في وقت الأزمات بالدفاع عن عملتها المحلية مقابل الدولار فتتنازل عن جانب من الاحتياطي الدولي من الذهب فيزيد عرضه وينخفض سعره.
وقد كان من المتعارف عليه أن تنخفض أسواق المال مع صدور تقارير تشير إلى تراجع التشغيل وارتفاع البطالة، فإذا بها ترتفع. ولتبحث عن السبب مرة أخرى في أسعار الفائدة. فمنذ الأزمة المالية العالمية في 2008 صارت الأسواق المالية معتمدة على تمويل رخيص لها. ونعلم أنه إذا ساء وضع البطالة وظهرت أشباح الركود يخفض البنك الفيدرالي أسعار الفائدة، وتزيد السيولة فيرتفع الطلب على الأوراق المالية. كما أن كثيراً من الأوراق المالية الرائجة لا تعتمد على الطلب على العمالة قدر اعتمادها على كثافة رأس المال كحال الشركات التكنولوجية المسيطرة على الأسواق.
ويشير الاقتصادي البريطاني جيم أونيل إلى أن السوق المالية الأميركية تقيَّم اليوم بنحو 77 تريليون دولار، أي نصف قيمة الأسواق المالية العالمية، ولكن نصيب الاقتصاد الأميركي لا يتجاوز ربع الاقتصاد العالمي، الذي يتجه مركز جاذبيته إلى الشرق، حيث الصين والهند وجوارهما. السؤال الحرج، والمعلقة إجابته على تطورات السوق والاقتصاد الحقيقي: هل سيندفع الاقتصاد الأميركي إلى نمو مرتفع يتنبأ به المتفائلون بفضل زيادة الكفاءة والإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي تشهد شركاته طروحات في الأسواق وصعوداً في التقييم؟ أم أن السوق ستصيبها موجات من التصحيح والتراجع تقترب بها من واقع الاقتصاد الحقيقي؟ ويذكر أونيل بأنه قد حدث تصحيح عنيف للسوق المالية اليابانية التي كان رأسمالها السوقي 45 في المائة من السوق المالية العالمية في بداية التسعينات، ثم أصابها ما أصابها من تراجع على مدار ثلاثة عقود ونصف العقد.
ويُعقد هذا الأسبوع الاجتماع الأول لتحديد أسعار الفائدة للبنك الاحتياطي الفيدرالي برئيسه الجديد كيفين وارش، والذي ترصده الأسواق من كثب. وفي حين لا تتوقع الأسواق المالية حالياً رفعاً أو خفضاً لسعر الفائدة، لكن مصداقية الرئيس الجديد واستقلاله محل توقع واختبار لتوجهاته. فقد تعرض سلفه جيروم باول لنقد مستمر من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لامتناعه عن تخفيض أسعار الفائدة. ويأتي وارش مسبوقاً بانطباعات عن أن ولاءه لترمب قد يدفعه لتغليب دوافع الاستجابة لضغوط سياسية واقتصادية راهنة على استقرار الأسواق والسيطرة على التضخم في الأجل الأبعد. علماً أن البنك الفيدرالي يتميز عن غيره من البنوك المركزية، بأنه مفوَّض من الكونغرس بالسعي لتحقيق أعلى مستوى للتشغيل، أي تخفيض البطالة، فضلاً عن المهمة المعتادة للسلطات النقدية في الحفاظ على الاستقرار النقدي بتخفيض معدلات التضخم. وبالإضافة لهذا التفويض المزدوج، فهو مسؤول عن الاستقرار المالي بالرقابة على البنوك وملاءتها.
ويواجه البنك الفيدرالي ارتفاعاً لمعدل التضخم بلغ 4.2 في المائة في شهر مايو (أيار) الماضي، وهو المعدل الأعلى منذ ثلاث سنوات أو أكثر، وهو أكبر من ضعف المستهدف المعلن وهو 2 في المائة. وقد كان معدل التضخم في شهر فبراير (شباط) الماضي 2.4 في المائة، ثم توالى ارتفاع الأسعار متسارعاً متزامناً مع عُرف بالولايات المتحدة بأثر حرب إيران. والوضع الراهن لا يبرر حتماً تخفيض الفائدة، خلافاً لرغبة الرئيس الأميركي، خصوصاً مع تحسن مؤشرات البطالة، وفقاً للتقرير الأخير عن سوق العمل؛ لذا سيتجه تصويت أغلبية الأعضاء للتثبيت، وتصويت وارش في جانب الأغلبية يعزّز الإشارة لاستقلاله التنفيذي عن ترمب، كما يعطيه فرصة في المؤتمر الصحافي لشرح ما تظهره بيانات تقارير التضخم والبطالة من تطورات. وإن كان قد انتقد، وعن حق، إفراط قرارات تحديد الفائدة في الاعتماد على بيانات لا تعكس آنياً تطورات الاقتصاد. فالتقارير المشار إليها قد تعكس ما حدث، وليس ما يحدث فعلاً أو المتوقع حدوثه؛ ما جعل قرارات الفيدرالي محل انتقاد بأنها متباطئة في التعامل مع التضخم، وأنها تصورت خطأً موجات من التضخم بأنها عابرة على خلاف طبيعتها فلم تتخذ حيالها إجراءً بما جعل هذه الموجات تستمر لفترة أطول.
وفي هذه الأثناء، يعرض التقرير الأخير عن آفاق الاقتصاد العالمي، الصادر منذ أيام عن البنك الدولي، مؤشرات عن تراجع حاد في معدلات النمو العالمي لتصل إلى 2.5 في المائة، وهي الأدنى منذ جائحة كورونا، مع انخفاض متوقع لنمو البلدان النامية والأسواق الناشئة إلى 3.6 في المائة؛ وهو ما يهدد فرص التشغيل ويعقّد فرص تحقيق أهداف التنمية في هذه البلدان التي تتوقع أن تستقبل 1.2 مليار باحث عن عمل على مدار العقد المقبل. وهي أمور رغم أهميتها ليست محددة لقرار البنك الفيدرالي ولا تكترث بها الأسواق المالية وهي في فورات صعودها حتى حين.

سمير عطا الله تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح [...]

محمد فال معاوية ليست كل الدول تُصنع بالجغرافيا؛ فبعضها يُعاد تعريفه بإرادة رجل، وبحلمٍ يسبق الخرائط. وعندما يرحل ذلك الرجل، لا يكون السؤال: كم عامًا حكم؟ بل: ماذا بقي بعده؟ وما الذي تبدّل في خريطة السياسة والاقتصاد والوعي الجمعي بسببه؟ برحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لا تطوي قطر صفحة حاكمٍ سابق فحسب، بل [...]

مشاري الذايدي لا يمكن أن ينهض مجتمع ويتقدّم إلا بوجود مبدعيه، بكل المجالات، فهم الذين يسحبون عربة التاريخ للأمام، وينقلون القافلة من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن يوجد الإبداع ويزدهر إلا بتشجيعٍ وجوائز ماديّة ومعنوية، وفوق ذلك: صونٌ لعطاء الناس وجهودهم، وألَّا يُترك المبدعُ غنيمة يتخاطفه، أو يتخاطف جهده، لصوص الإبداع، الذين استمرأوا نهب [...]

إبراهيم عبد الهادي في السياسة، لا يكون الحضور وحده صانعًا للمعنى، بل قد يصبح الغياب أكثر بلاغة من الخطب، وأكثر كثافة من الصور الجماعية. فالسلطة لا تتحدث دائمًا عبر البيانات الرسمية، بل كثيرًا ما تُفصح عن نفسها من خلال الرموز والإشارات، وما يُرى وما لا يُرى، وما يُقال وما يُترك عمدًا خارج المشهد. من هذا [...]

محمد فال معاوية في لحظة واحدة قد يفقد الإنسان عمله، لكن ما يفقده أحيانًا ليس الدخل… بل الطريقة التي يُرى بها. لم يعد السؤال عن الإنسان يبدأ من جوهره، بل من موقعه الاقتصادي: ماذا يملك؟ كم يربح؟ أين يقف في سلم الدخل؟ شيئًا فشيئًا، تراجع تعريف الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، ليُعاد تقديمه بوصفه رقمًا [...]

عبدالمحسن سلامة يجب ألا يمر ما يحدث من انتكاسات للكيان الإسرائيلى فى نيويورك وغيرها مرور الكرام بل يجب التوقف أمامه، والبناء عليه، ووضع رؤية استراتيجية للتعامل معها من أجل كبح جماح إسرائيل، ومحاصرتها، وصولًا إلى هدف التعامل معها كدولة منبوذة عالميًا أسوة بما حدث مع نظام جنوب إفريقيا العنصرى قبل سقوطه. حينما نتحدث عن نيويورك [...]