الرئيسية/مقالات/من سيفشل حرب ترامب الاقتصادية ضد إيران؟
مقالات

من سيفشل حرب ترامب الاقتصادية ضد إيران؟

عبدالله المدني بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، شن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الإيراني لتركيعه أو إسقاطه على يد شعبه.

د. عبدالله المدني

بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، شن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الإيراني لتركيعه أو إسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات أو الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة.

وبعد أن توعد وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بقطع شريان التمويل عن الاقتصاد الإيراني عبر توسيع نطاق العقوبات لتشمل قطاعات الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري، وتهديده كل دولة تسهل غسل الأموال الإيرانية باستبعادها من نظام الدولار، اتجهت الأنظار إلى عدة دول تربطها بإيران علاقات اقتصادية وتجارية ونفطية متينة، غير أن الأنظار تركزت تحديداً على الصين، باعتبارها الشريك التجاري الأهم لإيران والمستورد الأكبر لنفطها (تستحوذ الصين على نحو 90 % من صادرات النفط الإيرانية)، ولأن العقوبات الأمريكية على طهران لن تكون مؤثرة تماماً ما لم تمتثل لها بكين.

ويصدق هذا القول، بدرجة أقل، على موسكو التي تعتمد عليها طهران في مجالات تعاون حيوية أخرى، خصوصاً وأن وزير الاقتصاد الإيراني، علي مدني زاده، ذكر الصين وروسيا بالاسم في معرض تعليقه على القرارات الأمريكية، حينما قال ما مفاده إن الحرب الاقتصادية الأمريكية على بلاده مآلها الفشل لأن الصين وروسيا لن توافقا عليها ولن تمتثلا لها.

يعتقد مراقبون كثر، أن دولاً مثل باكستان وتركيا والعراق، وجميعها أسهمت بصورة أو بأخرى طيلة السنوات الماضية في تقويض العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال تهريب النفط والمقايضة وغسيل الأموال وتزوير سجلات السفن وتأسيس الشركات الوهمية، ستضطر إلى الانصياع للمطالب الأمريكية، لكن من المستبعد أن ترضخ الصين وروسيا بسهولة، خصوصاً وأنهما ضد مبدأ فرض عقوبات اقتصادية وتجارية أحادية الجانب. وفي هذا السياق، ردت الخارجية الصينية على تصريحات ترامب حول شن حرب اقتصادية على شركاء إيران التجاريين بقولها إن ذلك لن ينجح في حل التوترات في المنطقة، كما أن الصينيين لا يريدون خلق سابقة بسماحهم للأمريكان بتحديد من يمكنهم ومن لا يمكنهم التعامل معه.

أما روسيا فإنها تعمل فعلياً بمعزل عن النظام المالي الأمريكي وإطار العقوبات الأمريكية، وتربطها منذ 2025 بإيران معاهدة شراكة مدتها 20 عاماً. وبموجب هذه الاتفاقية تعزز كثيراً حجم التجارة بينهما ليصل إلى نحو 5 مليارات دولار، حيث زودت موسكو طهران بشحنات كبيرة من الذخائر وقطع غيار الطائرات المسيرة مقابل مشتريات ضخمة من المنتجات الزراعية والسمكية والمواد الغذائية والمصنوعات الكيميائية.

ستشكل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لواشنطن هذا الشهر، وهي الأولى لزعيم صيني إلى أمريكا منذ عقد، أول فرصة لمعرفة مدى تصميم واشنطن المضي قدماً في تهديداتها ضد الدول المتعاونة مع إيران، لاسيما وأن الصين ليست دولة من الدول الهامشية بالنسبة لإيران، وإنما دولة تغذيها بالسلاح والتكنولوجيا والسلع ذات الاستخدام المزدوج، كما وأنها تساعدها دبلوماسياً من خلال إحباط أية قرارات أممية ضدها في مجلس الأمن، وعسكرياً من خلال تزويد حرسها الثوري بصور ملتقطة بالأقمار الصناعية للقواعد والمنشآت الأمريكية في الخليج لتستهدفها.

فإذا ما قررت إدارة ترامب التعامل الصارم مع الصين كغيرها من الدول، فإن من شأن ذلك أن تتعقد أكثر العلاقات الأمريكية الصينية المعقدة أصلاً، وإذا كانت واشنطن تملك ورقة حرمان المنتجات الصينية من دخول أسواقها الواسعة أو تقييدها برفع الرسوم الجمركية إلى حدودها القصوى، فإن الصين قد ترد بتقييد تصدير المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، وهو ما هددت به سابقاً فأجبرت ترامب على التراجع نسبياً عن سياساته المتعلقة بالتعريفات الجمركية، كما وأن بكين قد تصعد باللجوء إلى ورقة تايوان بفرض حصار عليها.

ومن ناحية أخرى، ستواجه الولايات المتحدة معضلة إقناع دول أخرى أقل شأناً بالكف عن التعاون مع إيران. وتأتي تركيا، حليفتها في حلف الناتو على رأس القائمة باعتبارها ثاني أكبر مستورد للصادرات الإيرانية بعد الصين، ثم الهند، الشريك الاستراتيجي للولايات المتحدة والتي تعد مصدراً رئيسياً لواردات إيران من الغذاء والدواء. أما باكستان التي تلعب دوراً غامضاً في الوساطة وحظي قادتها هذا العام بمديح أمريكي غير مسبوق فمتورطة في تهريب النفط الإيراني وتساعد شركاتها المصرفية على إعادة أموال النفط المهرب والمباع إلى الخزينة الإيرانية بطرق ملتوية، يساعدها في ذلك الطرق البرية المعقدة والعلاقات التاريخية والقبلية التي تربطها بإيران.

وجملة القول إن بكين وموسكو هما اللتان تطيلان عمر النظام الإيراني، وإنْ تظاهرنا خلاف ذلك أمام دول الخليج العربية، وهما اللتان منعتا مراراً صدور قرارات أممية ضدها، وهما اللتان ستحولان دون تنفيذ العقوبات الأمريكية بشكل مؤثر.

"
“د. عبدالله المدني بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، شن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ ضد النظام الإيراني لتركيعه أو إسقاطه على يد شعبه، وقوله في منشور له إن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية والشركات والمطارات أو الكيانات الحكومية التابعة لها بأن تمد شريان حياة لإيران ستصبح هي ذاتها عرضة لتبعات اقتصادية هائلة. وبعد”
— اليوم ميديا / مقالات

التعليقات

لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قد يعجبك أيضاً

عرض الكل في مقالات ←
الحوثية والخمينية مَن أثَّر في مَن؟

الحوثية والخمينية مَن أثَّر في مَن؟

يدور الحديثُ دوماً عن تبعية الجماعةِ الحوثية للنظام الإيراني الخميني، وأنَّه مجرد ملحق فكري سياسي بشري فهل هذا الوصف دقيق ومحكم؟! الواقع أنَّ إسناد النظام الإيراني واحتضانه للجماعة الحوثية، لا ريبَ فيهما، والشواهدُ عليهما كانت وما زالت تترى وتتواتر. إيران دولة والحوثي ميليشيا، وإيران دولة ضخمة تملك قدراتٍ واسعةً ومساحةً شاسعة وعديداً بشرياً كثيراً، وترسانةً

مشاري الذايدي
السبت، ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
لِمَ لا نتعامل مع الحوثي بدلاً من محاربته؟

لِمَ لا نتعامل مع الحوثي بدلاً من محاربته؟

مع استمرار النّزاعِ في اليمن لعقدٍ ونصفِ عقد مع الحوثي، هناكَ من يميلُ للتَّعاطي معه كسلطةِ الأمر الواقع بدلاً من محاربته. فقد سبقَ التعاملُ مع معظم مَنْ حكمَ صنعاءَ في الماضي، بغضِّ النَّظرِ عن هُوِيَّتِه وآيدولوجيتِه. هذَا طرحٌ واقعيٌّ. إنَّمَا يعيبُه هو مشروعُ الحوثي نفسه. فالجماعةُ في صراعٍ مع فكرةِ الدولة، وقد كشفَ سلوكُها عن

عبد الرحمن الراشد
السبت، ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
«هيرودوت».. وعطر بلاد العرب

«هيرودوت».. وعطر بلاد العرب

قد يكون من الغريب -إن لم يكن تزييفًا للوعي- العودة إلى القرن الخامس قبل الميلاد لمعرفة تاريخ العرب ومكانتهم بين الأمم، مع أنّ أمتنا شَقَّت طريقها في رحلة التاريخ حين تغلبت الأيديولوجيا (ثقافة العقيدة) على تضاريس الجغرافيا من جهة، وعلى البطش وأدواته، منذ أن كان« الزَّهْو القَبَلي» قائما على سجود الجبابرة لمن يبلغ الفطام، من

خالد عمر بن ققه
الجمعة، ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة
التقارب السوري ــ الليبي خطوة إيجابية

التقارب السوري ــ الليبي خطوة إيجابية

زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بنغازي عاصمة الثورة الليبية، المدينة التي لطالما رفعت أعلام الثورة السورية مع أعلام الاستقلال الليبي وتعانقا في سماء بنغازي، تضامناً مع التحرر من الدكتاتورية في البلدين، تأتي لبدء خطوات التقارب الجادة بين البلدين، فكما يقال: «إن الاستماع نصف حل المشكلة»، وبالتالي مرحلة الاستماع والحوار المباشر بين الطرفين الليبي

د. جبريل العبيدي
الخميس، ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦•دقيقتان للقراءة