
أصدرت وزارة المالية، منذ أيام، مشفوعة بموافقة من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، تعميماً إلى الجهات الحكومية، من وزارات وإدارات وهيئات، بترشيد الإنفاق العام، وخفض النفقات « غير الضرورية »، مع عدم المساس بالمهام الأساسية و الخدمات العامة، كذا إلى آخر ما في التعميم من تقييد لما بدا أنه بذخ شديد تعيشه الجهات الحكومية على حساب المواطنين.
وقال وزير المالية إن الهدف من هذا « الترشيد » هو تعزيز قدرة الموازنة العامة على مواجهة الضغوط الراهنة، و الحقيقة أن ذلك « الترشيد »، كما وصفه السيد الوزير، جاء بعد توصيات من صندوق النقد الدولي طالبت بالحفاظ على سياسات مالية منضبطة.
وهذا كلام اقتصادي لست في وارد مناقشته أو الحديث عنه، لكن ما يهمني في الدرجة الأولى هو أن هذا «التعميم» الذي تأخر كثيراً، يتضمن اعترافاً ضمنياً من قبل وزارة المالية والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بأن ثمة هدراً كبيراً للمال العام قد وقع منذ أدت الحكومة القسم في شهر آذار عام 2025 وحتى تاريخ صدور هذا التعميم في 28 من أيلول/ سبتمبر من هذا العام.
وكلنا رأينا ذلك الهدر والبذخ، ولم نكن في حاجة لصندوق النقد الدولي ليدلنا عليه، إذ بدا واضحاً أن الحكومة تتصرف وكأنها في دولة افتراضية غير التي يتم عرض تفاصيل حياتها اليومية عبر برامج تلفزيونية، ليظهر الفقر والخراب حيثما وجهت وجهك.
وكانت جريدة الثورة السورية قد طرحت منذ أشهر ما يشبه استطلاعاً للرأي عبر صفحتها على الفيسبوك سألت من خلاله المتابعين عن الدخل المعقول أو المناسب الذي تستطيع من خلاله العائلة السورية أن تعيش بشكل جيد، لا أتذكر الصيغة بشكل حرفي، وقد تابعت تعليقات المتابعين التي أجمعت على أن متوسط الدخل المعقول يجب ألا يقل عن 400 دولار لعائلة صغيرة، شرط ألا يكون هنالك إيجار، لأن إيجارات البيوت تحتاج دخلاً يتجاوز ذلك الرقم التقريبي بكثير، وخاصة في ظل الفوضى و عدم وجود قانون واضح يحدد الإيجارات، وازدحام العائدين من نزوحهم الطويل، بحثاً عما يشبه الاستقرار، وقد وجدوا ما كدحوا في بنائه سنوات وقد صار خراباً وأطلالاً تحتاج كل «قرش» كي تنهض من جديد.
والحقيقة لا أدري فيما إذا كان الزملاء في جريدة الثورة السورية قد حولوا ذلك الاستطلاع إلى تحقيق صحفي أو أنهم اكتفوا بطرحه فقط، و كان هذا قبل أن تتعرض المنطقة بأسرها لتداعيات الحرب المفتوحة ما بين الولايات المتحدة وإيران، وهي حرب استطاعت أن تترك أثرها في اقتصادات دول متعافية اقتصادياً، لا على دولة خرجت من حرب طاحنة استمرت أكثر من أربع عشرة سنة.
ولأني أحاول توخي الدقة، فإني حريص على متابعة برنامج « جولة المراسلين » الذي تعرضه الإخبارية السورية، حيث يتجول مراسلوها في مختلف المدن والمناطق، ويصورون أحوال الناس حيثما حلوا، ورغم بعض المحاولات لإظهار أن الأمور بخير، وأن التفاؤل يلقي بظلاله الوثيرة على المواطنين، إلا أن بعض التفاصيل الصغيرة تكشف ما تخفيه الصورة العامة.
فارتفاع أسعار المواد الغذائية واضح وليس هناك حاجة إلى خبراء لشرحه، والاستغناء عن اللحوم لم يعد خياراً بل صار إجبارياً، والأنين تحت وطأة فواتير الكهرباء، ليس دعاية من الفلول، بل هو حقائق ظاهرة للعيان، فلماذا تأخرت الحكومة سنة ونصف السنة حتى تعلن تقشفها، والحد من الهدر؟ ولماذا لا تطلع المواطنين، أصحاب المال، عن أوجه الصرف الذي أهدرت فيه أموالهم؟ والأهم هو أن تعلن على الملأ كمية الأموال التي أهدرت.
على العموم نحن نعلم أين صرفت تلك الأموال، فقد رأينا بأم أعيننا المواكب الباذخة للسيارات، والاحتفالات المبالغ فيها والتي ترافق أي حدث مهما كان صغيراً، وقوالب الكاتو التي تتلون حسب كل مناسبة.
تقدر تقارير أممية أن ستين بالمئة من السوريين على الأقل هم في حاجة للمساعدة، وهذا الرقم لا يشمل مسؤولي الدولة طبعاً، لكنه قد يشمل مئات الآلاف من موظفيها و عمالها، ولو سألت أي رب أسرة كيف يستطيع تدبير أموره، لقال: خليها على ربك.
عام 2009 وعلى وقع الأزمة الاقتصادية التي ضربت الولايات المتحدة الأميركية بسبب ما بات يعرف لاحقاً باسم أزمة الرهن العقاري، تناول الرئيس الأميركي الأسبق، الذي لم يكن قد مر على دخوله البيت الأبيض سوى بضعة أشهر، باراك أوباما و زوجته العشاء بصحبة أصدقاء لهما في أحد المطاعم الفاخرة في العاصمة واشنطن، وقد قادت الصدفة صحفياً إلى المكان نفسه، فالتقط صورة للرئيس العتيد وكتب في اليوم التالي: فيما لا يجد الأميركيون ما يأكلونه، فإن الرئيس وزوجته يستمتعان بتناول عشائهما في واحد من أغلى المطاعم في أميركا.
وقد أثار الموضوع تفاعلاً كبيراً ما اضطر البيت الأبيض لإصدار توضيح بأن الرئيس وزوجته كانا مدعويّن، وأنهما لم يدفعا سنتاً واحداً. ونحن لا نريد أن نسأل مسؤولاً عما يأكله، و كم دفع ثمناً لعشائه، لكن، أعتقد أنه يحق لنا أن نفكر فيما يأكله ملايين السوريين.
نقلا عن الثورة السورية




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *