
قد تبدو المعركة حول باب المندب، في ظاهرها، معركة على شريط ساحلي ومواقع عسكرية وممر بحري شديد الحساسية. لكن معناها الأعمق بالنسبة إلى اليمن قد يكون مختلفًا: هل يمكن أن تتحول استعادة الساحل إلى نقطة بداية لاستعادة الدولة نفسها؟
هذا السؤال أكثر أهمية من سؤال: من يسيطر اليوم على هذه المدينة أو تلك؟ فالتطورات الأخيرة أعادت الساحل الغربي إلى قلب الحرب. وبعد أن تمكن الحوثيون خلال سبتمبر من التقدم نحو المخا وذوباب وجزيرة ميون ومناطق أخرى حول باب المندب، شنت القوات الحكومية في 5 أكتوبر هجومًا مضادًا استعادت خلاله، وفق مصادر عسكرية وتقارير دولية، مواقع قرب المضيق وتقدمت باتجاه المخا. ولا تزال الصورة الميدانية متحركة، لكن المؤكد أن الساحل أصبح مرة أخرى إحدى نقاط الاختبار الرئيسية لمستقبل الحرب.
غير أن الخطأ سيكون في قراءة هذه التطورات باعتبارها مجرد سباق للسيطرة على باب المندب. فالمضيق يمنح من يقترب منه ورقة عسكرية وجيوسياسية، لكنه لا يصنع دولة. الدولة تبدأ عندما تتحول الجغرافيا إلى مؤسسات.
وهنا يمكن أن يكون الساحل الغربي هو الاختبار الأصعب والأكثر أهمية. فاستعادة المخا أو ذوباب لا تكتمل قيمتها السياسية بمجرد رفع علم الحكومة فوق موقع عسكري، وإنما عندما تصبح المنطقة جزءًا من منظومة وطنية تعمل فيها الموانئ والجمارك وخفر السواحل والقضاء والإدارة المحلية، وتعود حركة التجارة إلى إطار قانوني تديره مؤسسات الدولة لا الجماعات المسلحة.
هذه النقطة تحديدًا قد تكون مفتاح المرحلة المقبلة في اليمن.
فالسيطرة على الموانئ ليست قضية أمنية فقط، وإنما قضية مالية أيضًا. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن إصلاح الجمارك وتعزيز تحصيل الإيرادات في منافذ الدخول البحرية والبرية والجوية يمثلان جزءًا أساسيًا من خطة اليمن لاستعادة قدرته المالية، في ظل الانقسام المؤسسي وضعف الإيرادات.
وبذلك يصبح الساحل أكثر من جبهة عسكرية؛ يصبح اختبارًا لقدرة الدولة على استعادة إحدى وظائفها الأساسية: تنظيم حركة الناس والبضائع والأموال عبر حدودها.
وهذا يغير أيضًا معنى باب المندب. فالقيمة الحقيقية للمضيق بالنسبة إلى اليمن ليست فقط أن موقعه يمنح البلاد أهمية دولية، بل أن هذه الأهمية يمكن أن تصبح مصدرًا لإعادة بناء الدولة إذا امتلكت المؤسسات اليمنية القدرة على إدارة المجال البحري بدل تركه مجالًا مفتوحًا للتنافس العسكري والإقليمي.
وتكشف خطوات اتخذتها السلطات اليمنية خلال 2026 عن بداية هذا الاتجاه. فقد دعمت المنظمة البحرية الدولية في أغسطس برنامجًا لتعزيز الحوكمة البحرية اليمنية، بمشاركة وزارة النقل وهيئة الشؤون البحرية وخفر السواحل والجمارك ومؤسسات الموانئ، مع العمل على إنشاء لجنة وطنية للأمن البحري ووضع استراتيجية وطنية للمخاطر البحرية. كما يجري العمل على مركز وطني لتبادل المعلومات البحرية في عدن.
قد تبدو هذه الإجراءات بعيدة عن مشهد الدبابات والطائرات، لكنها ربما تكون أكثر أهمية للمستقبل من بعض المكاسب العسكرية نفسها. فالدولة لا تُبنى فقط عندما تنتصر في الحرب، بل عندما تستطيع بعد الانتصار أن تدير المكان الذي استعادته.
ومن هنا قد يتغير تعريف «التحرير» في المرحلة المقبلة. لم يعد كافيًا أن تستعيد الحكومة الساحل من الحوثيين؛ عليها أن تمنع تحوله مرة أخرى إلى ساحة نفوذ منفصلة، وأن تربطه اقتصاديًا وإداريًا وأمنيًا ببقية البلاد.
وهذا هو التحدي الحقيقي. فاليمن لا يواجه فقط مشكلة تعدد القوى المسلحة، بل مشكلة تعدد مراكز القرار والموارد والحدود الفعلية. وإذا استعادت الحكومة مناطق جديدة من دون بناء مؤسسات قادرة على إدارتها، فقد تتغير خريطة السيطرة بينما يبقى أصل الأزمة كما هو.
أما إذا نجحت في تحويل الساحل إلى مساحة للدولة، فقد يكون باب المندب بداية مسار مختلف: ليس نحو معركة أخرى فقط، وإنما نحو إعادة تعريف اليمن بوصفه دولة بحرية ذات وظيفة إقليمية، لا مجرد ساحة صراع على البر.
المفارقة أن البحر الذي استخدمته القوى المتصارعة لزيادة نفوذها على اليمن يمكن أن يصبح أحد الأدوات التي تعيد بناء الدولة اليمنية.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بعد معركة الساحل ليس فقط: من يسيطر على باب المندب؟
السؤال الأهم هو: من يستطيع أن يجعل باب المندب جزءًا من دولة يمنية تعمل؟
إذا نجحت الحكومة في الإجابة عن هذا السؤال، فقد تكون المعركة الحالية أكبر من استعادة أرض. وقد تكون، للمرة الأولى منذ سنوات، بداية الدولة.




التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *