بعد ثلاثة أعوام على هجوم 7 أكتوبر 2023، تبدو إسرائيل أكثر قدرة عسكريًا على خوض حروب متعددة، لكنها في الوقت نفسه أقل يقينًا بشأن قدرتها على تحويل هذه القوة إلى استقرار سياسي وأمني طويل الأمد.
الهجوم الذي شكّل أكبر صدمة أمنية في تاريخ إسرائيل الحديث لم يغيّر فقط طبيعة المواجهة مع الفلسطينيين، بل أعاد تشكيل مفهوم الأمن الإسرائيلي نفسه. فبعدما كان التعامل مع الحرب قائمًا على احتوائها ومنع تحولها إلى مواجهة واسعة، أصبحت حالة الاستنفار جزءًا من الحياة الأمنية والسياسية والاقتصادية للدولة.
وفي الذكرى الثالثة للهجوم، تأتي هذه التحولات فيما تستعد إسرائيل لانتخابات عامة، بينما لا تزال تداعيات 7 أكتوبر حاضرة بقوة في النقاش الداخلي. وتشير بيانات معهد الديمقراطية الإسرائيلي إلى أن 68% من اليهود الإسرائيليين يرون أن 7 أكتوبر يمثل عاملًا مركزيًا في تحديد الحزب الذي سيصوتون له.
منذ الهجوم، خاضت إسرائيل عمليات عسكرية على أكثر من جبهة، من غزة ولبنان إلى سوريا وإيران واليمن، بالتوازي مع استمرار التوتر في الضفة الغربية. وأظهرت هذه المواجهات قدرة عسكرية كبيرة على التحرك بين ساحات مختلفة، واستخدام التفوق التكنولوجي والاستخباراتي والقوة النارية على نطاق واسع.
لكن هذه القدرة تفتح سؤالًا مختلفًا: ماذا بعد القوة؟
فتدمير أهداف عسكرية أو إضعاف خصم لا يعني بالضرورة تحقيق تسوية سياسية أو بناء واقع أمني مستقر. وهذه الفجوة بين القدرة على خوض الحرب والقدرة على إنتاج نتيجة سياسية مستدامة أصبحت واحدة من أبرز المعضلات التي تواجه إسرائيل بعد 7 أكتوبر.
الهجوم نفسه كشف حدود الاعتقاد بأن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي يمكن أن يوفر حماية كاملة. فالمنظومات الأكثر تطورًا لم تمنع المفاجأة، كما أن تعدد الجبهات بعد ذلك جعل الأمن الإسرائيلي مرتبطًا بقدرة الدولة على إبقاء قواتها ومواردها في حالة جاهزية مرتفعة لفترات طويلة.
وهنا تظهر المفارقة: إسرائيل قد تكون أقوى عسكريًا في عدد من الساحات، لكنها تدفع في المقابل كلفة متزايدة للحفاظ على هذه القوة. وكلما طال أمد الاستنفار، أصبح السؤال عن القدرة على تمويله واستدامته لا يقل أهمية عن السؤال عن نتائجه العسكرية.
اقتصاديًا، لم تعد الحرب ملفًا منفصلًا عن مستقبل الدولة. فبحسب صندوق النقد الدولي، أدى تتابع الصدمات الجيوسياسية منذ أكتوبر 2023 إلى إبقاء الناتج الإسرائيلي عند مستوى يقل بنحو 9% عن المسار الذي كان متوقعًا له قبل الهجوم. كما يتوقع الصندوق استمرار ارتفاع الإنفاق الدفاعي، في وقت تفرض فيه تعبئة قوات الاحتياط ضغوطًا على سوق العمل.
وخفض صندوق النقد توقعاته لنمو الاقتصاد الإسرائيلي في 2026 إلى 3.5%، مقارنة بـ4.8% في توقع سابق، مع استمرار مخاطر مرتبطة بالتوترات الإقليمية وارتفاع الإنفاق الدفاعي والدين العام.
ولا تتوقف المسألة عند حجم الإنفاق. فاستمرار حالة التعبئة العسكرية يمكن أن يضغط على الاستثمارات والنمو والإنتاجية، ويجعل المفاضلة بين الأولويات الأمنية والاقتصادية أكثر صعوبة. وبذلك يصبح الأمن نفسه جزءًا من المعادلة الاقتصادية، لا مجرد بند في الموازنة.
سياسيًا، تحول 7 أكتوبر إلى معيار للحكم على أداء المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية. فالانتخابات المقبلة تجري في ظل نقاش مستمر حول المسؤولية عن الإخفاق الذي سبق الهجوم، وحول طريقة إدارة الحرب وتداعياتها، فيما تحاول المعارضة تحميل حكومة بنيامين نتنياهو مسؤولية الإخفاق الأمني والدفع باتجاه تغييرات سياسية ومؤسسية.
لكن المسألة تتجاوز مستقبل حكومة أو رئيس وزراء.
فالسؤال الذي تركه 7 أكتوبر داخل إسرائيل يتعلق بالنموذج الأمني نفسه: هل يمكن بناء أمن مستدام على التفوق العسكري وحده، أم أن الأمن يحتاج أيضًا إلى معالجة الظروف السياسية والاستراتيجية التي تجعل الحرب قابلة للتجدد؟
خلال الأعوام الثلاثة الماضية، أثبتت إسرائيل قدرتها على الرد بقوة وفتح جبهات متعددة، لكنها لم تحسم في المقابل كيفية منع تكرار المفاجأة، ولا كيفية تحويل التفوق العسكري إلى استقرار طويل الأمد.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: إسرائيل أصبحت أكثر استعدادًا للحرب، لكن الاستعداد الدائم للحرب لا يعني بالضرورة أن الحرب أصبحت أقل احتمالًا.
لذلك، ربما يكون التحول الأبرز الذي أحدثه 7 أكتوبر هو انتقال إسرائيل من مفهوم الأمن الذي يفترض إمكانية احتواء الخطر إلى واقع دولة تعيش على وقع خطر دائم.
والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل قادرة على خوض حرب أخرى، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل كلفة الاستنفار المستمر سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
فبعد 7 أكتوبر، لم يعد اختبار القوة الإسرائيلية مقتصرًا على قدرتها على الانتصار في المعركة، وإنما على قدرتها أيضًا على تحويل القوة العسكرية إلى أمن مستدام.



التعليقات
لا توجد تعليقات معتمدة حتى الآن على هذا المقال. شارك برأيك وكن أول المعلقين.
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *